نتطرق اليوم الى عرض بعض الصفات الشخصية لاولئك الانسحابيين الذين اشرنا إليهم البارحة كظاهرة اجتماعية برزت على مسرح الحياة العامة، ويعبر افرادها عن حالة الافلاس النفسي، والعجز الداخلي الذي صار صفة ملازمة لكل فرد من افراد هذه الظاهرة السلبية. اذ لم يتردد اصحابها عن ضرب الاخماس بالاسداس والوقوف في طابور المتفرجين بعد ان اكتفوا بالزفرات والآهات في احسن حالات اليقظة الذهنية التي قد يشعرون بها. مع اعتراف علني وصريح منهم بأنهم لا يملكون تغيير تلك الاخطاء الشائعة التي تصدر من بعض النخب الفاعلة، والتي بدت لهم شماعة مناسبة ليعلقوا عليها كل الاخطاء الموجودة، ثم ينفضوا ايديهم من اي شعور بالتبعية او المسئولية الفردية تجاه ذلك الواقع. اول اسباب حالة اللامبالاة التي نتحدث عنها هو تضخم الشعور بـ «الأنا» لدى فريق من طابور المتفرجين، في مقابل تضاؤل الشعور بالانتماء الى الجماعة. وفي نظر هؤلاء ان السبب الوحيد الذي يجعلهم ينفضون غبار النوم عنهم، هو ان يلحق بهم ضرر مباشر او بأسرهم والمقربين منهم!! وطالما انهم لا يشعرون بأي خطر يقترب من حياتهم الحالمة، فليس لديهم اي مبرر لينغصوا على انفسهم بالتفكير بغيرهم او ليزعجوا انفسهم بقضايا وهموم قد تجلب عليهم وجع الرأس وهم الذين لم يتعودوا إلا على السرور والبهجة!! اما السبب الثاني لاختيار الانسحاب عن المشاركة العملية في خدمة قضايا المجتمع فهو ضعف التصور لدى فريق ثان من ذلك الجمهور الغفير. ان اعضاء هذا الفريق يعانون من صعوبة في ادراك طبيعة الخدمة التي يمكنهم تقديمها لمجتمعاتهم والقادرة على اخراجهم من حالة السكون والركود التي تلف عالمهم الخاص، وتنحيهم بعيداً عن التفاعل مع آلام امتهم او آمالها. هذا الضعف في التصور سببه في الغالب فقر البيئة الاجتماعية التي ينتمون اليها، وعجزها عن تقديم رؤية صحيحة تحمس مثل هؤلاء الاشخاص وتزيل عنهم تراب الجهل والغفلة. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه فان عجز البيئة المحيطة عن تقديم الصورة الصحيحة للواقع، وعجزها عن شحذ اذهان المحيطين بها بانواع من الثقافة الحية، لاشك انه سينعكس سلبا على الاشخاص الذين تحيط بهم مثل هذه البيئة!! السبب الثالث الذي يتصل بواقع تلك الفئة المتخاذلة يرجع الى التصور الخاطيء لدى فريق من هؤلاء المتفرجين الذين يرى الواحد منهم ان دليل ولائه لمجتمعه ووطنه يأتي من خلال اختياره لدور الشاجب والمندد، والمستنكر لاخطاء الآخرين، دون ان يبدي اي استعداد للمشاركة في دفع عجلة الحياة للامام، ودون ان يبدي اي رأي او اقتراح حول السبل العملية القادرة على تصحيح الواقع، او جزء من هذا الواقع. ان هذا الشخص يائس ومحبط، ويرى ان البطولة الحقيقية تتجسد في البكاء على اللبن المسكوب، الذي اصبح في نظره رمزاً للسيادة المفقودة، ودليلا على نهاية مشروع النهوض بالامة واسترداد دورها الغائب في التأثير على الحياة والاحياء!! وليس هناك لدى مثل هذا الشخص اي مانع من ان يصدر شهادة وفاة لكل الافكار الطموحة التي يراهن على امكانية تحقيقها كثير من العقلاء، بينما يرى هذا الشخص المريض ان الامل بالمستقبل لم يعد اكثر من سراب خادع لا يتجاوز نسبة تحقيقه اكثر من صفر من الاصفار التي على اليسار!! ولم ينتبه مثل هذا الشخص انه هو الذي اصبح صفراً على الشمال لانه لم يعد يرى لنفسه اي دور في المرحلة الحالية او المقبلة. فهو صفر لانه جرد نفسه من كل طاقة وقوة يمكن من خلالها ان يفعل شيئاً غير البكاء وندب الحظوظ العاثرة. وهو صفر لانه ركن الى الشعور بالعجز وانعدام الحيلة وهو صفر لانه لم يجتهد في تقديم أي خدمة لمجتمعه، وهو صفر لانه انسان غارق في بحر من الاوهام والظنون. وهو صفر لانه لم يطوّر معلوماته التي تكومت في ناحية واحدة من عقله دون ان تتحرك عضلات ذلك العقل في اكتشاف الحلول بعد ان ارهق نفسه في تشخيص الداء.. ولو فكر الانسان بحال يفرح العدو، ويغضب الصديق فلن يجد اكثر من هذه الصور المحزنة لواقعنا الذي نحياه!!