رغم كل المحاولات التي بذلتها للهروب من الرياضة، وبالتحديد كرة القدم، إلا أن أحداث اللعبة الشعبية الأولى في العالم فرضت نفسها لدرجة، كان يصعب عليّ الهروب بعيداً عنها والسعي للخروج ولو قليلاً عن محيط الرياضة، الذي وجدت نفسي ومنذ الصغر اسبح فيه وأغوص في أعماقه ولم يكن هناك من سبب غير رغبتي في جعل زاوية خواطر بعيدة الى حد ما عن المحيط الذي احببته الى درجة العشق إلا أن هذه المستديرة الصغيرة لم تفرض ذاتها عليّ فقط للعلاقة الوثيقة التي بيني وبينها انما فرضت نفسها واحداثها على العالم بأسره فمنذ اليوم الأخير من شهر مايو الماضي والى اليوم الأخير من شهر يونيو الماضي ايضاً كان العالم بأسره من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه لا يتحدث إلا عن كرة القدم ومباريات كأس العالم والفرق التي تتنافس فيه. وأيضا ولأول مرة صار هذا العالم المجنون بالمستديرة وبعد نهاية الدور التمهيدي في البطولة يضرب كفاً بكف بسبب النتائج المذهلة التي شهدها هذا الدور والذي ودعت فيه منتخبات عريقة المونديال بينما راهن غالبية سكان الكرة الأرضية على قدرتها على المنافسة وإحراز البطولة وليس مجرد الصعود لأدوار تالية إلا أن آسيا التي استضافت أول بطولة لكأس العالم في تاريخ هذا الحدث الكوني كان لها رأي آخر!! ففرنسا بطلة العالم للعام 98 وبطلة كل أوروبا العام 2000 ودعت مبكراً والأرجنتين اكثر الدول ترشيحاً هي الأخرى لم يكن حالها افضل وكذلك إيطاليا التي لم يكن حالها افضل من سابقتيها. اقول ان حدث كأس العالم لكرة القدم صار حدثاً كونياً وهذه الرياضة دون غيرها من الألعاب الرياضية الأخرى تجعل كل العالم يترك سمعه ونظره وفكره يتابع احداثها ويتفاعل مع منافساتها ونتائجها وينشغل بها دون غيرها. في يوم افتتاح كأس العالم كان التوتر على أشده في شبة القارة الهندية بين الهند وباكستان بسبب اقليم كشمير المتنازع عليه الى درجة انه تواترت اخبار تزعم ان اميركا تجلي رعاياها من البلدين مما دعا السفارة الأميركية في نيودلهي إلى نفي التقارير التي تقول ان فريقاً اميركياً وصل العاصمة الهندية ليشرف على اجلاء مئات الجنود والمدنيين الأميركيين من الهند وباكستان . يومها قلت لصديق متابع للشأن السياسي في الألعاب الأولمبية هناك ما يسمى الهدنة الاولمبية للحروب والتي تعني إن على الدول أن تحترم الميثاق الأولمبي وتوقف كل الأنشطة التي من شأنها اشعال الحرب أو إيقافها وإعطاء الألعاب الأولمبية حق اقامة نشاطها وتنفيذ فعالياتها. ليت الأمر ذاتة يكون حاضراً فيما يسود بين البلدين الجارين اللدودين. فرد عليّ صديقي بالحرف الواحد:ان كرة القدم وكأس العالم لا يحتاجان الى اتفاقية هدنة. والحقيقة انه مع تصاعد أحداث المنافسة الرياضية وانشغال كل العالم من ساسته الى شعوبه بالمستديرة الصغيرة كانت طبول الحرب في شبه القارة الهندية تهدأ شيئاً فشيئاً وكأن الجارين النوويين وقعا هدنة كروية بالفعل وما لبثت هذة الهدنة ان نزعت فتيل الحرب التي كانت على وشك الاندلاع لتأكل الأخضر واليابس في شبه القارة الهندية وما حولها!! والمتابع لاحظ عشية المباراة النهائية ان كوفي عنان امين عام الأمم المتحدة وجه رسالة تهنئة لمونديال 2002 وإلى اللجنتين المنظمتين الكورية واليابانية واللاعبين وشكرهم لأنهم وحدوا العالم على الأقل لمدة شهر وقال لهم: لقد وحدتم العالم على الأقل في هذا الشهر « يونيو» من خلال الحب للرياضة. اليوم النهائي جاء بنتيجة اسعدت البرازيل ومحبي الأداء البرازيلي وجعلت أول مونديال عالمي يقام خارج أوروبا والأميركتين يكون من نصيب دولة من اميركا الجنوبية وهو لاشك سبق تاريخي يسجل للقارة الملتهبة عشقاً بكرة القدم ومن المفارقات في فوز البرازيل ان مدرب الفريق لويزسكولاري كان قبل بداية المنافسات المونديالية الرجل الوحيد الذي يحمل صفة عدو الشعب البرازيلي رقم واحد بسبب عدم الرضا عن اختياراته للاعبين واستبعاده للاعب روماريو وادارته الفنية للفريق الى درجة ان هناك مقولة ظلت تطارد هذا المدرب يرددها البرازيليون مفادها «عندنا لاعبون يجيدون اللعب ولكن ليس لدينا مدرب يعرف التدريب»، وحتماً ان هذا الأمر تغير جذرياً فعدو الشعب رقم واحد صار بطلاً شعبياً يرفع على الأعناق وهذا شأن المجنونة دائماً وحال عشاقها في كل مكان. ـ بصراحة لم يكن احد بمقدوره الهروب من المونديال سواء كان يحب الكرة أو لا يطيقها وإذا وجد من هرب من المونديال فحتماً هو خارج كوكب الأرض.