يبدو ان سر التقدم بكل تجلياته الثقافية والعلمية والاقتصادية ليس واحداً، فمع مرور الأيام والسنين تنكشف للمرء مشاهد عديدة تكتنفها دروس وعبر تحتاج لقراءة مغايرة، ربما نعثر عبرها على اسباب جديدة، جديرة بالرصد والمتابعة، غير تلك التي عهدناها في التنظيرات الصارمة والاطروحات الجافة التي صدعت رؤوسنا بالارادة القوية، واستغلال الامكانيات، ومراكمة التجارب والاستفادة من الآخرين .. الخ. لكن ما يدهشنا حقا ان نكتشف بين حين وآخر ان تطور الامم والشعوب ربما يكمن في مناطق غير مأهولة بالوعي والاهتمام، خاصة في ظل مواقف قد تبدو بسيطة للبعض وغير مهمة، وقد يتكاسل البعض الآخر عن ضرورة قراءتها والنبش في مدلولاتها ومغزاها، بحجة انها غير محرضة على التفكير، والتأمل، وربما يتأفف آخرون من الخوض فيها من باب المكابرة الفارغة خاصة ان الاجواء التي تستدعي هذه الدروس هي كأس العالم الاخيرة التي انتهت منذ ثلاثة ايام. ما زلت اذكر عشرات المقالات التي كتبت عن كأس العالم في عام 1998 التي فازت بها فرنسا، وكيف ان المحللين السياسيين نوهوا وصرحوا عن ان الذين اوصلوا فرنسا الى الفوز بالكأس لاعبون مجنسون مثل الجزائري الاصل زين الدين زيدان، وان هذا يعتبر ردا عمليا على الهجمة الشرسة التي يقودها لوبان الذي لا يزال يصب جام غضبه على المهاجرين والمسلمين، لذلك كان ضروريا ان نحاول اصطياد من الدورة الاخيرة ما يسلط الضوء على السر الحقيقي للتقدم في اليابان وكوريا. بالطبع لن نتحدث عن التنظيم المتقن، وكيفية تسخير كافة الامكانات المادية لانجاح الدورة، ولا عن الاخلاق الجمة التي اتسم بها جمهور البلدين، لان هذا من طبائع الامور ولوازمها، لكن ما يلفت النظر حقا هو هذا السلوك المدهش الذي اتسم به هذان الشعبان، وذلك حين أخذا على كاهلهما مهمة تشجيع اي فريقين يلعبان، وذلك بارتداء فانلات الفريقين المتنافسين، وكنا نعتقد ان هذا التصرف النبيل سوف يتلاشى عقب خروج الدولتين المنظمتين للدورة، لكننا فوجئنا باستمراره في النهائي وقبل النهائي، الامر الذي يقودنا الى ان التقدم الحقيقي لهؤلاء يقبع في شفافية الروح غير المتعصبة، وفي ان الانتماء لسمعة بلديهما اهم بكثير من اي تشنج اعمى، وفي ان نجاح الدورة جماهيريا يضاهي الفوز بكأس العالم. ان هذا السلوك المتحضر المتعطش للمتعة والامتاع كفيل بالقاء حزمة من الضوء الكثيف على سمو هذه الروح وعبقريتها التي جلبت معها بالتأكيد كل هذا التطور المدهش قبالة العين والعقل، هذه الروح التي نفتقدها في جل حياتنا، على الاقل في مبارياتنا العربية ولا داعي لذكر أمثلة لانها مخجلة . اخيرا نقول للذين لا يأبهون بالرياضة كمجال خصب وثري لتمحيص اعماق الشعوب وتجاربها الحضارية، ان مباراة تنس طاولة واحدة اعادت العلاقات السياسية بين اكبر عدوين لدودين في فترة السبعينيات هما الصين والولايات المتحدة . وقديما قالوا: «الذي لا يرى من الغربال فهو أعمى».