جاء في رد البنك الدولي على قرار قادة مجموعة الثماني بخفض ديون افريقيا بواقع مليار دولار ان مثل هذه المساعدات لا تكفي حتى لشراء كيس فول سوداني للاطفال الافارقة بحيث ان نصيب كل افريقي لا يتجاوز الـ 40 سنتا من هذه المساعدة. هكذا إذن تبخرت آمال الافارقة في كندا حيث كان يعول كثيرا على تفعيل الشراكة الجديدة للتنمية الافريقية بين الدول الغنية والقارة السمراء. هكذا إذن خصصت القمة 20 مليار دولار لمكافحة الارهاب ومليار دولار واحد لمكافحة الامراض والفقر والجوع والاوبئة في القارة السمراء. فبالنسبة للرأي العام الدولي والمجتمع المدني فان الدول الكبار والمنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ماهي الا مؤسسات تديرها وتسيرها بطريقة او بأخرى قوى اقتصادية عالمية شغلها الشاغل هو تحقيق الارباح والفوائد بغض النظر عن الانعكاسات ومن يدفع الثمن. من «سياتل» الى «دافوس» الى «بانكوك» الى كاناتاسكيس نفس المشاكل ونفس المطالب ونفس الهموم، الهوة في اتساع مستمر بين الاغنياء والفقراء. العولمة التي صفق لها الكثيرون واستبشر آخرون بخير يعم البشرية جمعاء لم تأت بثمارها الا لاولئك الذين يسيطرون ويخططون ويقودون العالم. ماذا حقق يا ترى مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «اليونكتاد» بعد ما يزيد على الثلاثة عقود؟ هل حقق الاهداف التي جاء من اجلها؟ وهل استطاع ان يفعل التنمية والتجارة العالميتين وان يساعد الدول النامية على تجاوز مشاكلها والاندماج في النظام الاقتصادي العالمي؟ وهل استطاعت هذه المنظمة ان تحسن اوضاع الفقراء في العالم وان تحد من سيطرة وطغيان الدول المتقدمة والشركات المتعددة الجنسيات على آليات التجارة والتبادل الاقتصادي العالمي وانظمة الجمارك والنقد.. الخ. الحال المائل افريقيا جاءت الى قمة الثماني ممثلة برؤساء كل من الجزائر وجنوب افريقيا ونيجيريا والسنغال للدفاع عن مشروع «نياد» ومناقشة مبادرة الشراكة الجديدة للتنمية الافريقية. افريقيا القارة التي تغمرها الهموم والمشاكل من كل حدب وصوب، تبقى رغم غناها من حيث الثروات الطبيعية وامكانياتها الهائلة القارة الاكثر فقرا وتضررا في العالم حيث جاء في التقرير الاخير لمنظمة الامم المتحدة ان 40% من الاطفال الافارقة لم تتح لهم فرصة التمدرس على الاطلاق. فأفريقيا تعاني من تذبذب اسعار المواد الاولية وتعاني كذلك من قلة الاستثمار فيها حيث ان اخر الاحصائيات تشير الى انها لم تتلق سوى واحد في المئة من الاستثمارات الاجنبية المباشرة في العالم وخمسة في المئة من الاستثمارات الاجنبية المباشرة الموجهة الى البلدان النامية كما تعتبر المديونية احد المشاكل الرئيسية في اقتصاديات الدول الافريقية حيث انها نزيف داخلي مستمر ودائم يقضي على كل مشروع تنموي او ديمقراطي. القارة تواجه تحديات كبيرة ومعقدة ومتشعبة، ومن اهمها الحروب ومشاكل الحدود والبيئة والامراض المستعصية والمعدية وغيرها مشاكل ونزاعات لا تحصى ولا تعد. الدول الافريقية ورغم مرور اكثر من اربعة عقود من الزمن على استقلالها مازالت تتخبط في بحر من المشاكل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. تعاني معظم الدول الافريقية من انعدام الشرعية السياسية كما تعاني من انعدام مجتمع مدني وممارسة سياسية شعبية، والنتيجة في نهاية المطاف هي انعدام الثقة بين القمة والقاعدة وغياب القرار السياسي الحكيم والناجح وهذا ينعكس بالسلب على الاداء العام في المجتمع، فالقارة السمراء تشتهر على المستوى العالمي بانقلاباتها العسكرية وبعدم استقرار انظمة الحكم فيها كما تشتهر بالرشوة وبضعف التسيير والادارة، فانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وانعدام هيبة الدولة وانعدام المجتمع المدني وكذلك ثقافة المؤسسة كل هذه الامور تؤدي الى انعدام الرشادة الاقتصادية وانعدام الاداء المسئول والفعال والمستمر والمتطور فالقارة السمراء تعتبر من اغنى القارات في العالم ومن افقرها في نفس الوقت وهذا بطبيعة الحال لم يأت هكذا من العدم، وانما هنالك اسباب وعوامل من اهمها ضعف التسيير والادارة وانعدام الاستثمارات الاجنبية. افريقيا عانت الكثير من الانظمة العسكرية الدكتاتورية التي حولت خيرات البلد الى حسابات شخصية في البنوك السويسرية والاوروبية والتي قدمت المصالح الشخصية لافراد يحسبون على اصابع اليد الواحدة على مصالح امة بأكملها وهكذا فاقت ثرواتهم كل التوقعات وفاقت حتى الديون الخارجية المستحقة على بلدانهم. في افريقيا الزواج الفاشل بين العسكر والسياسة ادى الى خسائر فادحة على مستوى الديمقراطية والمشاركة السياسية، كما ادى كذلك الى خسائر جسيمة على المستوى الاقتصادي. قد تتعذر الرشادة الاقتصادية والاداء الاقتصادي الجيد في غياب الشرعية السياسية والمجتمع المدني والمشاركة السياسية اي غياب الديمقراطية. القارة السمراء بعد موجة الاستقلال وبعد اربعة عقود من الزمن لم تستطع ان توفر لنفسها مستلزمات الانطلاقة الاقتصادية السليمة ووجدت نفسها تدور في حلقة المشاكل التي لاتنتهي والتي تولد يوما بعد يوم مشاكل اخرى. استجابة غائبة ان الغاء الحواجز الجمركية لم يحقق النمو للفقراء وكان دائما في مصلحة الاقوياء وان العولمة لم تحقق شيئا يذكر لفقراء العالم حيث انها تقوم على اولويات الربحية وان القطاعات الخدمية والاجتماعية لا يخصص لها الا الفتات كيف تحقق التنمية في الدول الفقيرة ونسبة كبيرة من ميزانيتها ومداخلها تدفع لتسديد فوائد الديون. بعد ما يقارب الاربعة عقود لم تحقق الدول الكبرى شيئا يذكر لفقراء العالم باستثناء الاستعمار والنهب والاستغلال والابتزاز وحتى المنظمات الدولية التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية جاءت لتكرس مصالح الكبار والاقوياء على حساب الفقراء والضعفاء. ما يبشر بالخير من خلال قمم الكبار ومؤتمرات المنظمة العالمية للتجارة هو يقظة ضمير الفقراء في جميع انحاء العالم سواء في الدول الفقيرة او الدول الغنية، والحاحهم وتأكيدهم على عدم السكوت والمطالبة بحقوقهم، ومن اهم هذه المطالب مايلي: ـ العمل على تخفيف عبء الديون عن الدول الفقيرة وخاصة دول القارة الافريقية. ـ النظر في الابعاد التنموية للسياسات التجارية والمالية خاصة بالنسبة للسلع الزراعية وفتح المجال امام صادرات الدول النامية. ـ اعطاء اهتمام خاص بالمشاكل المتعلقة بضمان الامن الغذائي وضمان مصالح الدول النامية المستوردة للغذاء. ـ العمل على ضمان حسن ادارة العولمة الاقتصادية من حيث الكفاءة والعدالة والرشادة وضمان توزيع المكاسب بطريقة عادلة وانسانية. ـ اعادة النظر في انتقال رؤوس الاموال والعمالة بين الدول. ـ العمل على تسهيل نقل التكنولوجيا وتدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة في اتجاه الدول الفقيرة. ـ العمل على تحقيق الاستقرار في اسعار المواد الاولية. هل كانت في يوم ما لمطالب فقراء العالم اذان صاغية من اغنيائه؟ ام ان السيناريوهات تتكرر والآليات باقية على حالها؟ هل يحق لفقراء العالم ان يحلموا بمستقبل افضل وهل من حقهم ان يستفيدوا من العولمة الاقتصادية ومن ايجابياتها على غرار اغنياء العالم وان لايدفعوا فقط ثمنها للآخرين. مع الاسف الشديد الامور في السياسة الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية لا تدار ولا تسير بالعواطف والاحلام وانما بالمصالح والنفوذ ومع سوء حظ الافارقة وغيرهم من فقراء العالم فان اصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي في العالم ينظرون الى هذه الامور من زاوية اخرى. هكذا إذن تتكرر مؤتمرات المنظمات الدولية وقمم الكبار لتعيد نفسها وتبقي باب لقمان على حاله حيث يزيد الفقراء فقرا والاغنياء غنى. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة