حينما قمت بزيارة الولايات المتحدة للمرة الأولى عام 1993 التقيت في احدى الامسيات ببعض الشباب من اصول عربية حيث كان الحديث عن الاغتراب وهمومه، ووجهات النظر المختلفة بينهم حول التوطين في الولايات المتحدة او الارتباط بالوطن الام الذي من الصعب على الكثيرين الانسلاخ منه، وان كانت الاجيال الجديدة بدأت تتعامل مع الاوطان التي هاجر اليها اهلها على انها اوطانها واصبحوا يرشحون انفسهم في الانتخابات ويمتهنون الوظائف الهامة. وقد لفت نظري من بين الحضور شاب طلب مساعدة الاخرين في حل ازمته المتمثلة في كونه ولد في الولايات المتحدة لأب اردني وام اميركية، وهو يسعى جاهداً الآن لاستخراج جواز اردني الا انه يواجه بعض الصعوبات في استخراجه تعود الى استكمال بعض الاوراق المطلوبة، فقلت له بتعجب: الناس تكاد تفني حياتها وهي تبحث عن الجواز الاميركي وانت اميركي بالمولد وبالأم وتبحث عن الجواز الاردني؟ وقد تذكرت ساعتها شاباً سنغالياً جاءني حينما كنت اعمل في الكويت لاساعده في البحث عن عمل وكان يتقن الانجليزية والفرنسية والعربية، فساعدته للعمل في الترجمة، ثم فوجئت ذات يوم به وهو في فرح عارم والجميع يهنئونه، وقبل ان اعرف السبب جاءني مسرعاً ليخبرني بالخبر السار والمفرح الذي يعتبر امل عمره، وهو انه فاز في الحصول على البطاقة الخضراء في القرعة السنوية التي كانت تجريها ادارة الهجرة الاميركية كل عام وتمنح فيها نصف مليون من دول العالم الثالث حق الحصول على البطاقة الخضراء التي تؤهل من يحصل عليها للحصول على الجنسية الاميركية، ومازالت اذكر كيف كان حال هذا المسكين وكأنما حصل على صك دخول اعلى درجات الجنة. عدت مباشرة الى صاحبنا الاميركي الذي يبحث عن الجواز الاردني، فحينما القيت عليه سؤالي متعجباً قال لي: ان اميركا اكذوبة كبيرة وسوف تنهار في يوم وليلة كما انهار الاتحاد السوفييتي، فقلت له: ان الوضع مختلف كلياً بين اميركا والاتحاد السوفييتي، قال: انا اعمل في احدى اكبر المؤسسات المالية في الولايات المتحدة في عمل مرموق ربما يتمناه كل من هو في سني وامامي مستقبل واعد، لكني ادرك ان هناك صورة زائفة سوف تنفضح في وقت ما، عندها سوف يبحث كل اميركي عن اصوله لكي يفر الى بلده الاصلي او يجد بلداً آخر يقيم فيه، لذلك حرصت الآن وبعد مرور هذه السنوات ورغم اني لم اذهب الى الاردن الا مرات قليلة واعيش الحياة الاميركية بكل ابعادها ـ حرصت على ان استخرج جواز سفر اردني بعدما توصلت الى هذه القناعة والى هذه الحقيقة حتى اجد مكاناً اذهب اليه آمناً حينما يقع هذا الانهيار. دخلت مع الشاب في حديث طويل كان يتحدث هو بالارقام والاحصاءات والواقع، وانا اتحدث عن الجانب الآخر الذي جعل اميركا بحق آنذاك املاً لكل من يحلم بالحياة الرغدة الآمنة. ورغم انه قال ان ما يتنبأ به لن يحدث اليوم او غداً وانما ربما يحدث بعد عقدين على الاقل، الا انه كان جاداً وكنت من خلال ما قرأته وما اعرفه عن قوة الاقتصاد الاميركي افكر في الامر بصورة اخرى، لكني بعد ذلك بعام واحد وتحديداً عام 1994 شعرت بأن ما حدثني عنه صاحبي هذا والذي لم آخذ كلامه على محمل الجد ربما اصبح حقيقة، حيث اصدر الصحفيان الاميركيان هاري فيجي وجيرالد سوانسون كتابهما «الافلاس .. الانهيار القادم لاميركا».. ذلك الكتاب الذي لم يهز اميركا وحدها حينما صدر وانما هز العالم كله، ورغم انهما توقعا ان ينهار النظام الاقتصادي في اميركا خلال العام 1995، الا ان هذا التوقع كان دون شك اشارة الى ما حدث من الانهيارات المتلاحقة التي كان اكبرها انهيار وادي السليكون وشركات البرمجة الالكترونية والمعلوماتية قبل عامين، والذي ادى الى فقدان الآلاف من مبرمجي الكمبيوتر وظائفهم وافلاس عشرات ا لشركات بعدما كانت مدخولاتهم هي الاعلى في الولايات المتحدة، حتى ان تقارير كثيرة تتحدث عن عجز الكثيرين منهم الآن عن توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة وكثيرين منهم اصبحوا مشردين. كان هذا الانهيار مقدمة لعمليات انهيار وافلاس كبرى اخرى، كان من ابرزها انهيار شركة انرون للطاقة التي ساهمت في تمويل حملة الرئيس الاميركي بوش الانتخابية، ثم الفضيحتان المدويتان الاخريان: الاولى بأربعة مليارات وتخص شركة (وورلد كوم)، والثانية بستة مليارات وتخص العملاق الاخر (زيروكس)، وبين هذا وذاك آلاف الشركات الصغيرة التي يعلن عن افلاسها وانهيارها كل يوم بشكل يجعل السيناريو الذي رسمه هاري فيجي وجيرالد سوانسون يتم ولكن بمراحل. فهناك عشرات الآلاف من العاملين يجدون انفسهم في الشوارع بعد وظائف مرموقة ومدخولات عالية، وحياة اجتماعية مميزة، وقد التقيت مع احد الاصدقاء العرب واخبرني ان ابنه كان احد المدراء التنفيذيين في شركة انرون رغم انه كان شاباً في منتصف الثلاثينيات، لكنه كان مبدعاً وطموحاً، وقد انهارت كل آماله مع انهيار الشركة. وجاء اعلان الرئيس الاميركي يوم الجمعة الماضي بعد هذه الانهيارات الكبرى ليعلن عن تعقب الفساد داخل الشركات الكبرى، ليشير الى حجم الفساد داخل المؤسسات الاميركية والى ان ما يعلن يختلف كثيراً عن الواقع، ولا يستبعد ان يتبع هذا العدد المحدود من الانهيارات المعلنة مسلسل ضخم، لاسيما وان الدولار قد انخفض امام العملة الاوروبية اليورو بشكل غير مسبوق واصبح تقريباً موازياً لها خلال الايام التي سبقت الانهيارات الاخيرة، كما ان الاسواق والاسهم تشهد تضارباً كبيراً ادى الى خسائر بالمليارات وبدأ كثير من الناس يبتعدون عن الدولار الى اليورو والعملات الاخرى. واذا كان الاتحاد السوفييتي قوة لا يستهان بها وانهار بالشكل الذي حدث.. اما يدعونا هذا للتفكير في الواقع الاميركي الآن وعدم استبعاد ان يتحقق نفس السيناريو الذي سقط به الاتحاد السوفييتي، ولكن بشكل آخر؟! ـ كاتب واعلامي مصري