على المؤسسات الاعلامية الغربية ان تختار بين الربح التجاري من جهة واسترضاء اليهودية العالمية من جهة اخرى. هذا هو المأزق الذي تواجهه الآن مؤسسات كبرى مثل شبكة «سي ان ان» التلفزيونية الأميركية وما يماثلها من دور نشر صحفية كبرى في الغرب، بتعرضها لحملة شرسة ومتنامية من اسرائيل والمنظمات اليهودية في اوروبا والولايات المتحدة. فهل تنكسر مؤسسات الاعلام العملاقة في الغرب امام حملة تدمغها بذلك الاتهام التقليدي الخطير الذي يطلق عليه اليهود اسم «معاداة السامية»؟ الاجابة هي بنعم لو أن هذا السؤال طرح قبل حلول عقد التسعينيات من القرن الماضي، لكن الامر الآن مختلف. فخلال العقد الاخير طرأ تغيران كاسحان على العالم: أولا ثورة الاتصالات والمعلومات، وثانيا صعود جيل جديد في أوروبا متحرر من عقدة الذنب تجاه اليهود او يجاهد للتحرر منها. لقد شهد الاسبوعان الاخيران تصاعدا مسعورا للحملة اليهودية العالمية ضد المؤسسات الاعلامية الغربية الكبرى، ومحورها اتهام يهودي الى هذه المؤسسات بأنها تنهج نهجا انحيازيا ضد اسرائيل واليهود عموما في عمليات التغطية الاخبارية لتطورات الصراع العربي الاسرائيلي وما يجري على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان من أبرز معالم التصعيد هجوم اسرائيلي عنيف على تيد تيرنر رئيس شبكة «سي ان ان». و«خطيئة» تيرنر هي انه، اولا، اعتبر العمليات التي تقوم بها القوات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين نوعا من الارهاب يتوازى مع «الارهاب» الفلسطيني من خلال العمليات الاستشهادية، وثانيا حديثه عن «اختلال التوازن» بين دولة اسرائيلية لها جيش عصري ومجموعات فلسطينية لا تملك الا اسلحة بدائية بالمقارنة. وبلغ الغضب بالحكومة الاسرائيلية انها هددت بمنع استقبال بث الشبكة الأميركية على خدمة «الكيبل» الاسرائيلية. وقبل شهور تعرضت شبكة «بي بي سي» التلفزيونية البريطانية لهجوم اسرائيلي مماثل، لأن مراسليها درجوا على تسمية العمليات الاسرائيلية لاغتيال نشطاء فلسطينيين باسمها الحقيقي ـ أي «اغتيال». وعوضا عن هذه التسمية اقترحت الحكومة الاسرائيلية استخدام عبارة «قتل مستهدف»! وامتد الهجوم الى الصحافة البريطانية ايضا. فقد تلقى روبرت فيسك، الكاتب الصحفي الشهير في صحيفة «اندبندنت» الذي تتسم مقالاته بنهج نقدي تجاه اسرائيل، رسائل تهديد بالقتل من مصادر مجهولة. وحتى الصحافة الاميركية لم تسلم من الهجوم، فقد حرضت منظمة يهودية في ولاية كاليفورنيا الأميركية يهود الولاية على مقاطعة شراء صحيفة «لوس انجليس تايمز»، علما بأن هذه الصحيفة درجت على التزام الحياد في تغطيتها الاخبارية. فاليهودية العالمية تتوقع من المؤسسات الاعلامية الغربية ان تنهج نهجا انحيازيا بالكامل لإسرائيل والرؤية اليهودية بتحريف الاخبار وتوجيهها في اتجاه معين مقرر سلفا. والحقيقة ان هذا النهج كان بالفعل دأب الاعلام الغربي حتى وقت قريب. لكن يبدو ان اليهودية العالمية لا ترغب في ان تتيقظ الى ما طرأ على العالم من نقلة اعلامية نوعية كنتيجة لثورة الاتصالات والمعلومات. منذ بداية عقد التسعينيات دخل العالم عصرا اعلاميا جديدا بتدشين نظام البث التلفزيوني المباشر بالأقمار الصناعية، وعهد الفضائيات التي تبث بمستوى العالم بأسره على مدار الساعة دون توقف. هذا التطور الكاسح ادى، ضمن اشياء أخرى، الى استعار التنافس الاعلاني، وبالتالي التنافس البرامجي، بين الشبكات التلفزيونية العالمية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الاعلام العالمي، ومعنى هذا التنافس المتنامي على صعيد البرامج الاخبارية انه تنافس على الصدقية في نقل الاخبار ودعمها كماً ونوعاً بأكبر حشد ممكن من الحقائق والتفاصيل الموضوعية. والفضائية العالمية التي تتخلف في هذا التنافس الاخباري بشروط الحيدة والنزاهة انما تفقد ببساطة قاعدة المشاهدين العالمية. وبالتالي ـ وهذا هو بيت القصيد ـ تمنى بخسائر بحسابات الربح الاعلاني. فالمعلنون سيقاطعونها. من ناحية اخرى لا تريد اليهودية العالمية ان تعترف لنفسها بحقيقة بروز جيل اوروبي جديد يرفض الابتزاز السياسي اليهودي الذي تنطوي عليه عبارة «معاداة السامية» التي ترفع في وجه كل من ينتقد السياسات الاسرائيلية، حتى لو انطلق نقده من اعتبارات موضوعية.