تناول كثيرون خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش الأخير والخاص بالشرق الأوسط، ولقد لخصت مجلة «الايكونوميست» البريطانية واسعة النفوذ ردود الفعل التي أثارها هذا الخطاب، فوصفته بأنه يشبه موسيقى فاجنر فيها الجيد وفيها الرديء. ولعل هذا الموقف ذا الوجهين يفسر الموقف الاوروبي بشكل عام، وربما بعض المواقف العربية. أما أغلبية ردود الفعل العربية فإن الخطاب بالنسبة اليها كله رديء وليس فيه أية نسبة جيدة! كان المتوقع ان تأخذ ادارة بوش موقفاً أكثر حياداً من أجل انقاذ الطرفين (الفلسطيني والاسرائيلي) من دائرة الاقتتال حتى الفناء، ولكن الادارة الاميركية ـ المنقسمة على نفسها من الداخل ـ تبنت هذا الخطاب الذي ربما لم يتوقعه حتى أهل الاعتدال الاسرائيلي. فريق بوش المنقسم على نفسه هو الذي قدم هذه الرؤية التي توصف بأنها مستحيلة التحقيق: دولة فلسطينية ربما بعد ثلاث سنوات، وربما دولة مؤقتة قبل ذلك، ولكن بعد ان يثبت السلوك الحسن للفلسطينيين، وهذا هو الجيد في الخطاب، ولكن هذا الهدف حوصر بعدد وافر من الشروط التي تجعل تحقيقه في خانة المستحيل. تطالب هذه الرؤية الفلسطينيين أولاً بأن ينتخبوا قيادة جديدة، وايضاً مختلفة عن القيادة الحالية، يعني انه حتى لو «فاز» عرفات في انتخابات حرة بدورة جديدة فهو غير مقبول! وثانياً على الفلسطينيين أن يقيموا فيما تحت أيديهم من أرض (تحت الاحتلال) ديمقراطية، وان ينشئوا قضاء مستقلاً، وأن يلتزموا بسوق حرة في «اقتصادهم»، وربما مثل هذه الشروط لم يكن ليحلم بفرضها السيد شارون نفسه. ولكن كيف يمكن اقامة ديمقراطية وانتخابات حرة بشروط مسبقة؟ وإن تمت هذه الانتخابات بالمواصفات التي اقترحها الخطاب، فسوف تجد ادارة الرئيس بوش أمامها أغلبية من «المتشددين» على رأس السلطة القادمة، التي سوف تظهر نتيجة هذه الانتخابات الحرة والنزيهة والتي يقول فيها المواطن الفلسطيني العادي رأيه الصريح، وهل تمكين المتشددين، وهم قوى لا تعمل تحت الأرض، بل تشكل (في البيئة الحالية في الأرض المحتلة) ربما أغلبية، وهل هذه الخيارات الاميركية وراءها اقتناع بأن من يأتي نتيجة هذه الانتخابات المقترحة (أياً كان) عليه ان يلتزم بـ «قواعد اللعبة» وعلى رأس هذه القواعد نبذ العنف! أم ان المنظار الذي تنظر من خلاله ادارة الرئيس بوش هو رفاهية لا تتحملها الأوضاع في الشرق الأوسط؟! غير ان الخطاب من جهة أخرى لم يوجه أية اشارة لوم أو انتقاد للحكومة الاسرائيلية، أو حثها على تقديم أي تنازلات، كما لم يكلفها أي أعباء تقوم بها من أجل الوصول الى منتصف الطريق، بل ان الاشارات الضمنية في الخطاب تشير الى دعم الخطوات الاسرائيلية أو السكوت عما تقوم به حكومة شارون من عنف مضاد. وحتى مؤتمر السلام الذي كثر الحديث عنه لم ترد أية اشارة اليه في هذا الخطاب. هذا الخطاب إذن ليس فقط مخيباً للآمال والجهود التي بذلت في سبيل انعاشها في الشهر الأخير على الصعيد الدبلوماسي، كما بذل من أجلها كثير من الجهد العربي، وعقد عدد من الاجتماعات على مستوى رفيع بين قادة عرب والرئيس بوش ومعاونيه... ولكنه ايضاً خطاب محير، وعلينا ان نبحث بجدية فيما يمكن ان يكون كامناً وراءه من خلفيات وقناعات، وهو الأمر الذي لا يتحقق بلطم الخدود ومجرد الاستنكار والشجب، ولكن برؤية موضوعية، وتحليل ما قام به الطرف الفلسطيني من خطوات أو لم يقم به. لعل الحيرة تقودنا لطرح سؤال: لماذا هذا الغزل الذي تقوم به ادارة الرئيس بوش مع اسرائيل؟ هذه الادارة الجمهورية هي ليست ادارة الرئيس بيل كلينتون الذي تجمعه مع اسرائيل دوافع عاطفية، فبوش الأب هو الذي قرر ايقاف التسهيلات الائتمانية في سنة 1992 من أجل اجبار حكومة اسحاق شامير ـ وقتها ـ على قبول صيغة مدريد، بعد حرب تحرير الكويت والظروف المصاحبة لها، وقبل شهر فقط طالب شارون الولايات المتحدة علناً بألا تضحي باسرائيل، كما سبق أن ضحى الغرب والدول الديمقراطية بتشيكوسلوفاكيا سنة 1938، بمعنى ان الحكومة الاسرائيلية كانت متخوفة من «موقف» مضاد بشكل كبير لسياساتها، بل ان شارون في رحلته الأخيرة قد ترك أكبر مستشاريه في واشنطن كي يتابع عن كثب الزيارات العربية التي لحقت زيارته، فكيف إذن نفسر هذا المنعطف في السياسات التي جاءت في ذلك الخطاب الذي يصدق فيه القول العربي تمخض الجبل فولد فأراً. ربما كان الوضع الداخلي الضاغط على ادارة بوش يمثل أحد أسباب ذلك الموقف، وأقول «ربما» لأن ادارة بوش لو أرادت لتحملت ذلك الضغط، وحتى القادم من اللوبي الاسرائيلي، إذا قدمت مصالح الولايات بشكل واضح للجمهور الاميركي، ربما لأن الادارة الاميركية سوف تواجه في نوفمبر المقبل انتخابات نصفية الكونغرس، وفيها أيضاً اعادة انتخاب شقيق الرئيس حاكماً لولاية فلوريدا، مما يحدو الادارة على انتهاج «لين» متوقع تجاه اسرائيل. كل تلك الأسباب تشكل بعضاً من الضغوط التي أدت الى تحديد سقف الخطاب. ما يهمنا ـ نحن العرب ـ ـأن نعرف بأكبر قدر من الدقة أسباب هذا الموقف الاميركي من زاوية ما قامت به القيادة الفلسطينية، ونناقش الأسباب بوضوح، لأن التاريخ قد علمنا ان أولئك الذين لا يذكرون اخطاء الماضي هم أكثر عرضة للوقوع فيها من جديد، ولعل من أخطاء الماضي القريب عقلية الاستخفاف التي قابلت بها القيادة الفلسطينية الاحداث المستجدة. أميركا ـ وإن انحازت لاسرائيل ـ قابلتها القيادة الفلسطينية باستخفاف على الأقل في أربعة مظاهر، فقد فشلت هذه القيادة أولاً حينما توافر لها، كما أعلنت 98% من الأرض المحتلة مع موقع في القدس الشرقية أثناء وبعد مباحثات كامب ديفيد سنة 2000، وربما تساءلت الادارة الاميركية الحالية: إن لم تكن هذه الفرصة كافية، فماذا يمكن ان يكون كافياً بعد انهيار الثقة؟! فالفجوة الآن بين المطلوب والمعروض أصبحت أكثر اتساعاً، مما كان في كامب ديفيد وما بعدها، وبالتالي فإن أي جهد يبذل الآن هو جهد ضائع بسبب اتساع شقة الخلاف، ومن المفارقات ان السيد ياسر عرفات اعترف أخيراً لجريدة اسرائيلية بأنه أخطأ في ذلك الرفض! أما السبب الثاني فإن اعضاء قيادة السيد ياسر عرفات بينما يصرون في الاجتماعات الخاصة على القول انه لا شيء يتحرك في الضفة الغربية وغزة «من دون رغبتنا» يقولون في العلن انهم لا يستطيعون التحكم فيما يحدث، وهو أمر جد متناقض، والدول لها عيون وآذان، ما يجعل الجميع في حيرة بشأن ما تريده أو لا تريده القيادة الفلسطينية. أما السبب الثالث فهو تراجع قيادة الرئيس عرفات عما قررته ووافقت عليه في أوسلو وما قبلها، وهو ان تحل الخلافات بين الفلسطينيين واسرائيل من خلال «التفاوض السلمي» إلا ان تشجيع الانتفاضة بشكل علني أخل بما اتفق عليه، وجاءت قصة السفينة ـ رابعاً ـ لتقرر ان الكلام والوعود تنحصر في كونها مجرد كلام ووعود فقط، في الوقت الذي يتوقع فيه الجانب الآخر، خاصة أميركا أن تكون الوعود الكلامية مقدمة لأفعال حقيقية تُنجز على الأرض، وقد راقبت السفينة من خلال المنظار المكبر الذي لبسته الأجهزة الاميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001. لقد اعتقد ياسر عرفات ان المادة اللاصقة للشعب الفلسطيني أن يترك الأمور على هوى المنظمات، وان يعد العالم وعوداً لا يفي بها، ويسبغ نوعاً من النظام على الفوضى! وهو في كل ذلك يفتقد التوقيت الصحيح، في حين كان عليه ـ والعالم يتغير بسرعة ـ أن يجد مادة لاصقة مختلفة عن الأولى، ولكنه كان معنياً أكثر بالخصومات الداخلية وتوزيع المغانم. وابتعد هو وطاقمه عن وضع استراتيجية مختلفة عما مضى، فقد سقط الماضي بسقوط الاتحاد السوفييتي، الذي كان وجوده يشجع على اللعب من خلال التوازنات والتناقضات بين المعسكرين الشرقي والغربي. وقد اختار ياسر عرفات أن يقف علناً مع أميركا ضد الارهاب، كما قال جورج بوش «إما معنا أو ضدنا»، واختار في الوقت نفسه، أو فرضت عليه تكتيكاته القديمة أن يختار ترك الحبل على الغارب للعنف، مما فسرته الادارة الأميركية بأنه «موقف مضاد» لها. من هنا يأتي الاحباط الاميركي من المسلك السياسي للسيد ياسر عرفات، وهي بلاد تشعر بقوتها الكثيفة التي أرغمت، من بين أمور أخرى، الدولة القطب، روسيا، على قبول شروطها في موضوعات عديدة، وهي من ثم تشعر بامتعاض تجاه من يوافق على شروطها ثم يتخلى عنها، ومن هنا يفهم المراقب بواعث هذا الموقف المتصلب من السيد ياسر عرفات. إلا ان عرفات ليس فلسطين، ولو ذهب الخطاب الرئاسي الى القول انه يرى دولة فلسطينية في حدود الأرض المحتلة سنة 1967، وان المستعمرات الاسرائيلية في تلك الأراضي غير قانونية، وان الظلم الواقع على الفلسطينيين آن له ان يرفع، ولو قال الخطاب ذلك لوجد طرفاً واسعاً من الفلسطينيين والعرب، وربما الاسرائيليين، يستشعرون صداه في قلوبهم، ولأدرك الجميع ان الطريق قد أصبح قصيراً لنبذ العنف، أما أن يتوقف على ما قاله فقط، فإن طريق العنف قد هيأت له وسائل رديفة. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت