هناك مواقف في الحياة تجبرك على الوقوف امامها حائراً، مواقف قد تحمل اسراراً أو مواقف قد تكون مشحونة بالغموض ودافعة نحو التساؤل، وحين تتعبك الحيرة كثيراً تضطر لان تسأل، كي تعرف وحينما لا تتلقى اجابة شافية تزداد وتيرة حيرتك وقد تؤدي بك نحو حماقات انت في غنى عنها. في القرآن الكريم حكاية يسردها لنا الله بشكل معجز، حكاية سيدنا موسى مع الرجل الصالح الذي آتاه الله العلم والحكمة: ذلك هو الخضر عليه السلام، فحينما اراد النبي موسى ان يصحب الخضر في طريقه كي يتعلم منه اشترط عليه الخضر ألا يسأله عن اي شيء يراه حتى يفسره هو له، وكان يعلم أن الشرط صعب جدا، لكن موسى كان واثقا بقدرته على احتماله فوافق! في طريقهما خرق الخضر سفينة الرجال المساكين فتساءل موسى عن ذلك، فكان أول خرق للشرط، وتساءل عن قتل الصبي البريء فكانت الثانية، وتساءل عن اصلاح الجدار بعد عقوق اهل المدينة فكانت الأخيرة، وكان الفراق بين الرجلين، وكان ان خسر موسى كثيراً من العلم وحظوظ المعرفة. فهل يمكن لاحد ان يصمد أمام السؤال، وأمام الغموض، الشرط الانساني يقول لا، والدليل جاء من سيرة نبي قادر على مجابهة تحديات الفرعون وجبروته، لكنه لم يستطع حيال شرطه الانساني في المعرفة. في قصة (الاوديسه) الرائعة الاغريقية الشهيرة يسخر اله الريح ـ حسب الاسطورة ـ الرياح الغربية لبطل طروادة ويسحب الريح الشرقية من الكون ويملأ بها قربة الماء التي كانت في حوزة البطل ويخبره بأن الريح ستكون معه حتى يصل الى بلاده سريعا ولن تعاكسه الرياح الشرقية لانها مسجونة ـ حسب الاسطورة ايضاً ـ في القربة بشرط الا يخبر بسرها احداً. وفي السفينة، لعب الشيطان برؤوس جنوده، ووسوس لهم حتى وقعوا في المؤامرة والخيانة معتقدين بأن قائدهم يخبيء في القربة كنوزاً من الذهب والفضة هم اولى بها.. ولانهم سقطوا امام اختبار الغموض والصبر على المعرفة فقد اقتربوا من الغباء أكثر من اللازم ولذلك فقد انتظروا نوم قائدهم، واستولوا على القربة وفتحوها فكانت العاصفة المدمرة، وكانت نهاية رحلتهم الميمونة التي قادتهم نحو الضياع والمهالك ووديان النيران. كثيرون في الحياة يستعجلون قطف الثمار، يسقطون في الغباء طمعا في الغنائم المختبئة خلف السؤال حتى تكون نهايتهم مدوية. هل الصبر سيد الموقف؟ نعم ولكن من يطيق الصبر، ومن يقدر على ضبط اعصابه بصبر دون ان يجيب او لا دون ان يسأل؟ هل هو السؤال المهم.