الحديث حول مفهوم الاصلاح السياسي استقطب اقلاماً عديدة على مدى العقود الاخيرة، ونال اهتماماً اعلامياً مكثفاً، وحظي بمعالجات جذرية وشاملة، ابحرت عميقاً في شرح الاسباب والظواهر، ورصدت بشفافية واقتدار الحلول العملية المؤهلة لرفع حالة التراجع في المشهد السياسي الداخلي منه، والخارجي، على نحو رفع العتب عن تلك النخبة المثقفة ورمى بالكرة في ملعب الحكومة، وجعل الصورة غاية في التجلي والظهور، وهو ما يسجل للاعلام والاعلاميين المجندين لحراسة الكلمة والحفاظ على شرف المهنة. ورغم وضوح الصورة المرصودة للواقع السياسي التي عبرت عنها تلك القراءات المتخصصة، وتلك المعالجات المرتبطة بها امام جمهور القراء الا ان الكثيرين فهموا الرسالة بالمقلوب، وقرؤوا الحكاية من نهايتها، واسدلوا الستار على واقعهم المعيشي بناء على رؤية سلبية بدت لهم من قراءتهم المقلوبة لتلك المعالجات ذات التوجه التوعوي الملحوظ. ان تلك القراءات المختصة بالجانب السياسي لم تبعث اي برقية او رسالة او تصريح للجماهير العريضة التي تتلقى تلك الخدمة الاعلامية بأن تنام وتتدثر بلحاف الكسل والركود طالما ان هناك خللا في جانب من جوانب الاداء الرسمي للسلطة العليا في اي مجتمع من مجتمعاتنا العريضة. لقد حدث فهم خاطيء لدى فئة كبيرة من المتلقين لتلك الخدمات الاعلامية دونما اي مبرر لهذه الرؤية الضبابية، وهذا التلاعب بالمفاهيم، ودونما داع لهذه الرغبة الجانحة في التحليق في عالم من الاوهام التي صنعها الخيال الزائف، والتي تدعو الى اغلاق ملف المسئولية الفردية طالما هناك تقصير من اعلى الهرم المؤسسي. وما لم يكن الانسان ذا منصب كبير ـ حسب هذه النظرية الكارثية ـ فان المرء حتما خارج دائرة المسئولية، وهو شخص بريء ومسالم وليس له ذنب في اي تأخر او تراجع قد يصيب المجتمع الذي ينتمي اليه مثل هذا الشخص المعتل المزاج، المرتبك دونما منطق او رأي سديد يبرر له هذه الاحكام الملفقة التي تحاسب اناساً وتترك اخرين، وتجرم مخطئا وتعفو عن مخطيء آخر!! والسؤال الذي يلح في طلب الجواب يتعلق بهوية المسئول عن ترويج هذا الفكر المعتل الذي ارخى الستائر الثقيلة على اذهان اولئك الحالمين الذين تخلوا عن الشعور بالمسئولية الفردية تجاه انفسهم وادوارهم في الحياة، ورضوا بأن يتحولوا الى متفرجين في احسن الاحوال، والى ناقمين محبطين مشتتين في الاحوال الاخرى. ناهيك عن فئة ثالثة ممن استسلموا لهذه المشاعر التحذيرية وهم اصعب هذه الفئة مراساً، واكثرها خطراً على صحة المجتمعات، وعلى امنها وسلامتها.. اولئك الذين اغمضوا عيونهم عن اخطائهم الذاتية، واوغلوا في الاستخفاف بمسئولياتهم وبما بين ايديهم من امانة، تحت دعوى انهم ليسوا مسئولين كباراً إنما هم من عامة الناس واخطاؤهم مهما بلغت ـ فانها اخطاء صغيرة بل وهامشية!! الذي لا اشك فيه هو ان هذا المفهوم الكارثي الذي تكون لدى مثل هؤلاء الناس يكفي ـ في حالة تعميمه ـ ليطيح بمجتمع تدب فيه العافية ويدخل في اثواب العز والمجد!! فكيف بحالنا نحن ـ ابناء هذا العالم ـ الذي يواجه انواعاً من التحديات الداخلية والخارجية يكفي الواحد منها ليشغلنا جميعاً افراداً او جماعات، هيئات ومؤسسات بالدفاع عن انفسنا، وعن وجودنا، وحاضرنا، ومستقبلنا. ان هذه الروح المتثائبة تصلح ليشاهد صاحبها فيلما سينمائيا في إحدى صالات العرض المتخصصة في بث الافلام الخيالية، اما ان ينخفض الاحساس بالحياة الى درجة التجمد في مثل هذه الظروف الحرجة فهذا هو الهوان بعينه، وهذا هو التخاذل وإعلان العجز الشخصي الذي ان عم وشاع فهو الخيبة العظمى، وهو اعلان عام عن تكريس الاخطاء والرضا بها!! لست في هذا الموقف اقلل من نتائج اخطاء الكبار، ولكني ألوم كل فرد يعجز عن اداء دوره، وتسترخي روحه عن النهوض واداء الواجب!!