يبدو أن تغيرات المناخ ـ وخاصة شدة القيظ التي نشهدها في زماننا الراهن ـ أدت الى زيادة وعي الناس بأحوال الطقس ونزوات الطبيعة، ألا تلاحظ مثلا اهتمام بيوتنا الراهن بنشرة الأحوال الجوية حتى يبلغ الأمر أن امهاتنا وخالاتنا ومن في حكمهن لا يترددن في سؤالك - بوصفك المفكر الفاهم الواعي في أمور الدنيا وأحوال الكوكب - وقد يدور السؤال مثلا عن درجة الحرارة المتوقعة في جوهانسبرج؟! أين هذا الوعي والاهتمام الطقسي من أيام يفاعتنا حين كانت النشرة الجوية أقرب الى المادة الخبرية اليتيمة في ذيل أنباء المذياع أو التلفاز، والأنكى من هذا أن كانوا في بدايتها يعهدون بها الى موظف في مصلحة الأرصاد الجوية.. لا ندري من أفهموه - بل ضحكوا عليه يومها فقالوا له: من ناحية اللغة عليك بالسكون تسلم من العثرات.. أما من ناحية المنظر فعليك ان تطلع على الناس - لزوم الاحترام - بسحنة مهربدة وتكشيرة مرسومة.. باختصار - قالوا له نريد منك وجها عبوسا قمطريرا لكي يحترمك المشاهدون! وما أبعد الليلة عن البارحة! ها نحن نشهد نشرات الطقس في بعض - نقول بعض - فضائياتنا العربية السعيدة وقد تولت اذاعتها وجوه حسان باسمة الثغر.. منغومة النبرات.. اذا تكلمت عن طقس كوالالمبور مثلا يصدق عليها أوصاف شوقي في بيته الشهير: بأبي وروحي الناعمات الغيدا الباسمات عن اليتيم نضيدا الرانيات بكل أحور.. فاتر.. الخ.. الخ! والحمد لله في كل حال أن أصبح لحالة الطقس وتنبؤاته وأطوار تقلباته شأن مهم في حياتنا الراهنة.. صحيح أن كثيرا من تنبؤاتنا اليعربية لا ينطبق فيها حساب العقل على حساب البيدر كما يقول اخوتنا اللبنانيون بمعنى أن هيئة أرصادنا تحكي في واد احيانا فيما يسير الطقس الحقيقي في واد مغاير تماما - لكن علينا أن نحمد الله على ما صرنا فيه من بلهنية الالتحاق بركب العالم المتقدم الذي لا يكتفي برصد الأنواء في ربوعنا المجيدة.. وإنما يتعدى الأمر الى ابلاغنا - من خلال الباسمات عن اليتيم نضيدا - عن أحوال الطقس المتوقعة في كوالالمبور. والحق نقول أن رصد أحوال الطقس في زمان نشأتنا الأولى كان من اختصاص فرد محوري واحد من أفراد الأسرة. نعم كان من وظائف امهاتنا بالدرجة الأولى. وكان أمرا منطقيا باعتبار الأم هي المسئول رقم واحد عن الصحة الجسمية وأيضا الصحة العقلية والنفسية والوجدانية الناشئة - العيال كما كانوا يسموننا.. أو جيل الأمل عماد الوطن ورجاء الأمة كما كانوا يعلموننا أن نكتب في مواضيع الانشاء. كيف كانت الأم تمارس وظيفتها بوصفها هيئة أرصاد جوية شعبية؟ كانت هي المكلف بداهة باصدار الأوامر بأن نرتدي ملابس الصيف عندما يهل الصيف وأن نستبدل بها ملابس الشتاء عندما يحل فصل الشتاء.. طبعا لم تكن الأحوال - الاقتصادية، بالذات - تسمح ولا تجرؤ أن تسمح بأن نلبس أو نقتني ولا حتى نفكر في حكاية ملابس التوسط بين الفصول «ديمي سيزون» كما يقول أبناء الجيل الراهن.. بمعنى أزياء ربيعية الاتجاه أو خريفية الهوى إن شئت التعبير. كانت المسألة إما «هدوم» الصيف الخفيفة وحذار طبعا أن تفرط في ممارسة الألعاب الخشنة - كرة القدم مثلا ناهيك عن المصارعة الحرة أو المقيدة - ساعتها قد يؤدي بك الأمر الى اصابة «الهدوم» المذكورة أعلاه بالتمزيق وحينها فلن يرحمك أحد من صنوف العقاب. ويقابلها طبعا «هدوم» الشتاء وكانت شتويات القاهرة قارسة البرودة وخاصة في ديسمبر ويناير وذلك قبل أن تحدث الظواهر التي نكتب عنها ونكاد نوسعها درسا وتحليلا - ما بين ذلك الفتق الذي استعصى على راتقه في طبقة الأوزون الى آفة التساخن.. أو ظاهرة الدفيئة - الجرين هاوس- اختر ما شئت فأسواق المصطلحات ما زالت منصوبة وقد جاءت الدفيئة بقيظ لم نعهده من قبل في كوكب الأرض. وما بين ملابس الصيف وكانت من قماش خفيف.. وبصراحة رخيص أو فلنقل متهاود السعر كان اسمه على ما نذكر هو البوبلين، فيما كانت ملابس الشتاء أثقل سمكا وبالطبع أغلى سعرا وكان معظمها يحمل اسم الكستور.. وكان كل شئ من انتاج المصانع الوطنية.. وارد مدينة المحلة الكبرى في شمال شرقي دلتا النيل وكانت عاصمة الغزل والنسيج في بر مصر. ولذلك جاءت رحلة الأسرة مرتين في السنة صيفا وشتاء الى مؤسسة توزيع الملابس وكانت تحمل اسم شركة بيع المصنوعات وهي مؤسسة أنشأها رائد الاقتصاد طلعت حرب باشا منذ العشرينيات وأوكل اليها العم جمال عبدالناصر مهمة كسوة عامة المواطنين من جموع الطبقة الوسطى وجماهير الفقراء بأسعار مذهلة الاعتدال. مع ذلك فمازال السؤال مطروحا: كيف كان ذلك الجيل الأصيل من الأمهات والعمات والخالات ومن في حكمهن يحددن موعد حلول الصيف أو قدوم الشتاء؟ بسيطة.. كان التحديد يتم على أساس مزاج الحكومة! وأصل الحكاية أن هيئة الشرطة - وزارة الداخلية - جعل الله كلامنا خفيفا عليها وعلى كل شرطة وداخلية عبر الأقطار والأمصار - كان لها ميقات تعينه بنفسها بالنسبة للزي الذي تفرض ارتداءه على عساكرها وأنفارها بل وضباطها الكبار العظام.. ومثل أي حكومة لها مطلق الأمر والنهي في شئون البلاد والعباد، كانت حكومة عموم مصر تصدر قرارها بأن الشتاء عادت لياليه كما يقول فريد الأطرش في أغنيته الشهيرة ومن ثم تفرض على أفراد الشرطة التابعين لها أن يرتدوا السواد.. بدلات داكنة كنا نحب أن نتأملها ونحن صغار إذ كان العسكر يتفنون في تلميع أزرارها النحاسية وهكذا كانوا يطلعون على الناس بأزرار في صفرة الذهب على خلفية في سواد العنبر فما بالك اذا كان العم «أمين» جارنا العزيز يعمل في فرقة المطافئ وكان مثل أقرانه في الاطفائية فارع الطول مهيبا في بزته المخصوصة التي يزيد عدد أزرارها المصقولة والمرتبة على صف واحد، وفوق البيعة تلمع خوذة من نحاس حقيقي هي التي تقيه وقت الملمات شواظ النيران. وكما كانت الحكومة تتوكل على الله وتصدر قرارها بحلول الشتاء.. كانت تفعل الشئ نفسه في مثل هذه الأيام.. وتصدر فرمانها الذي يقضي بأن الصيف قد جاء موسمه ويبسط مناخه على النجوع والأصقاع. وفي كلا الموسمين كانت امهاتنا تتبع رأي الحكومة.. فتأمر بارتداء الخفيف الفاتح من نسيج الثياب بدعوى ان الحكومة صّيفت (بتشديد الياء) وتأمر بالتحول حتما الى الثقيل الغامق من الملبوسات تحت شعار ان الحكومة قد أشتت أو بالأدق الحكومة «شتت» (بكسر التاء الأولى) وهي مشتقة من الشتاء ولا يمكن أن تكون مشتقة من أي معنى آخر.. نرجو ألا يتبادر الى ذهن أحد.. فالحكومة لا تتعامل مع أي معنى يفيد الشتات أو التشتت أو غير ذلك من المعاني السلبية. ومع هذا كله فقد كان للشتاء والصيف معالم بارزة في حياتنا.. الشتاء كان يعني موسم التحصيل العلمي.. الاستيقاظ قبيل السابعة وقد انتزعونا من فراش دافئ وثير كان أو غير وثير.. المهم أنه كان فراشا يخلد المرء بين طياته الى نوم لذيذ قد تراوده أحلام وقد تزوره كوابيس.. لكن هذا كله كان أفضل من أن يضطر الطفل أو الغلام الى أن ينهض في عز الزمهرير.. ويستخدم ماء قارس البرودة فلم يكن أحد يعرف أن هناك جهازا اسمه السخان وبعدها يكون انطلاق المسكين وهو نصف نائم الى حيث المدرسة. أما الصيف فكان له معالم أكثر بروزا إذ كان معناه أن الحكومة - في عهد ما قبل ثورة 1952 في مصر - كانت تشيل حالها ومحتالها وتنقل ما خف حمله من أضابيرها وملفاتها ثم تتحول لزوم التصييف شخصيا الى ثغر الاسكندرية حيث تدير شئون البلاد من مقرها الصيفي في حي «بولكلي» الاسكندراني ومعها ينتقل الى الميناء المتوسطي الجميل كل الموظفين الكبار وكل الوجهاء والأعيان من رتبة بيك وباشا أصحاب العزة وأصحاب السعادة والمعالي وأصحاب المقام الرفيع.. وهكذا يغادرون القاهرة الطيبة الصبور في موسم الصيف ويتركونها لأهلها ممن لا يقدرون على مصاريف التصييف.. وممن لا يسعهم سوى أن يرددوا مع عبدالوهاب أنشودته الجميلة التي يقول مطلعها: امتى الزمان يسمح يا جميل واسهر معاك على شط النيل وغالبا ما كان الزمان يسمح سواء كان المقصود جميلا أو غير جميل.. والمهم أن كانت سلوى أهل القاهرة أن يصبروا على قيظ النهار في أغسطس كي يستقبلوا نسيم الليل فوق أسطح البيوت في سمر طويل.. أو على ضفاف النيل ولم يكن ذلك يكلفهم سوى ثمن كوز الذرة مشويا على فحم هادئ أو حفنة ترمس باردا أو كبشة فول مملح أو قدحا من شاي ثقيل معطرا بأريج النعناع، وبعدها يستمر حديث السمر موصولا ليلة الاجازة حتى تباشير الصباح