كالعادة، خطاب الرئيس الاميركي بوش حول سياسته في الشرق الاوسط الذي القاه يوم الاثنين الماضي لم ولن يعني شيئا للمواطن العربي، فهو كسابقيه لن يحقق شيئا، وليس به جديد سوى ان المتابع يكاد يسمع لكنة رئيس الوزراء الاسرائيلي في كل جملة قالها الرئيس الاميركي وخلف كل سطر وكلمة. من الغريب ان يلبس الرئيس بوش ربطة عنق بنفسجية اللون اثناء كل خطاب له عن فلسطين واسرائيل، يقول علماء النفس ان اختياره لهذا اللون بالذات اثناء هذه المناسبات يأتي من شعوره بالتعاطف مع اسرائيل لان هذا اللون هو لون العلم الاسرائيلي ويرمز لها. كعادته اثناء كل خطاباته الجادة، يستخدم الرئيس الاميركي الجمل القصيرة المؤثرة، مقطبا جبينه حتى تصغر عينه فلا تكاد تبين، محاولا اظهار نفسه بمظهر الحازم الذي يعرف مايريد، ولكن مع الاسف فان ما قاله يدل على جهل واضح بتاريخ المنطقة وتركيبتها والمؤثرات على احداثها. لو حاولنا اختصار الخطاب لوجدنا انه يقول: على ياسر عرفات ان يغادر، وعلى الفلسطينيين ان يحاربوا الارهاب ويقيموا علاقات طبيعية مع اسرائيل، فاذا ما نجحوا في ذلك فاننا سنساعدهم على اقامة دولتهم. ولكن لم يقل لنا الرئيس الاميركي ما الذي سيفعله لو انتخب الشعب الفلسطيني ياسر عرفات مرة اخرى، ولم يقل لنا من الذي يقيم ـ بتشديد الياء ـ نجاح الفلسطينيين في محاربة الارهاب، و لم يذكر شكل العلاقات الطبيعية مع الكيان الاسرائيلي التي يطمح ان يراها، والانكى من ذلك انه لم يذكر شكل الدولة الفلسطينية وحجمها ومدى استقلاليتها. في لقاء مع احد المسؤلين الاسرائيليين نقلت صحيفة نيويورك تايمز عنه قوله «كنت اقول طوال الخطاب ان هذه هي الجزرة وستأتي العصى، ولكنها لم تأت، لاننا لا نستاهلها» أي ان الخطاب كله كان في صالح اسرائيل وليس هناك شروط امليت عليها كما امليت على السلطة الفلسطينية والعرب، والخطاب عبارة عن ضوء اخضر لشارون ليفعل مايشاء في الضفة الغربية. لقد اساء خطاب الرئيس بوش للولايات المتحدة اكثر مما احسن اليها، وزاد الطين بلة واضاف سخطا الى غضب بسبب جهل وسوء فهم وانحياز غير مبرر لليهود ومؤسساتهم، ففي خطابه الذي القاه يوم 8 إبريل الماضي وجه كلامه لرئيس الوزراء الاسرائيلي شارون قائلا «عندما اقول توقف فاني اعني ما اقول» وكان يهز اصبعه بقوة مهددا، ولكن الزعيم اليهودي لم يكترث لما يقوله، وما زالت دباباته تدك المدن والقرى الفلسطينية بقوه، وكأن شارون يقول له، ان كلامك لا يعنيني في شيء. لقد فاقم الرئيس الاميركي بوش ايضا من الازمة وباعد بينه وبين حلفائه، فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير انضم الى الاتحاد الاوروبي في موقفه من الازمه ورفض اقصاء ياسر عرفات كما جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني جاك سترو الذي عارض المطلب الاميركي وصرح بان الشعب الفلسطيني هو المعني باختيار قادته وليس البيت الابيض. الان، اصبح مقدرا على الادارات الاميركية المضي قدما في تحقيق امنية الرئيس الاميركي، فقد اوضحت صحيفة يديعوت احرنوت ان الادارة الاميركية تدرس الان من الذي سيخلف ابوعمار، وان بين الاسماء التي طرحت العقيد محمد دحلان وجبريل الرجوب ومحمود عباس وياسر عبدربه، واوضحت الصحيفة نقلا عن مصادر رفيعة في البيت الابيض ان المرحلة الاولى حسب التخطيط الاميركي ستكون من قسمين يتمثل الاول في ان يتولى المسئولية احد قادة الاجهزة الامنية في قطاع غزة والضفة الغربية حتى تستقر الامور ويعتاد الناس على بقاء ياسر عرفات خلف الكواليس وبعيدا عن وسائل الاعلام، ثم يتم عمل انتخابات تتدخل فيها الادارة الاميركية والحكومة الاسرائيلية بكل قوة لانجاح الشخصية التي ستحل مكان ابوعمار بعد ان يتم التأكد من ان الشعب الفلسطيني لن يختاره قائدا له من جديد. قال وزير الخارجية المصري في لقاء سجل معه قبل ساعتين من خطاب الرئيس الاميركي بوش بان اسرائيل تريد التخلص من اتفاقية اوسلو وما تبعها من اتفاقيات، حددت مناطق الادارة الفلسطينية والمناطق التي تكون اسرائيل مسئولة عنها امنيا، فالمناطق (أ) هي مناطق فلسطينية خالصة، ومناطق (ب) هي مناطق تابعة امنيا لاسرائيل، ومن الواضح ان اسرائيل قضت على هذ الوضع تماما، فهي تريد اعادة مايسمى بالادارة المدنية للقوات الاسرائيلية وانهاء مشروع الدولة الفلسطينية.. انتهى كلام الوزير. الآن وقد ذهبت اوسلو الى الجحيم لابد ان نسأل انفسنا: مااسم الاتفاقية القادمة؟ ومن من القادة العرب سيتبناها؟ ولكني اتمنى من كل قلبي ألا تحمل الاتفاقية القادمة اسم عاصمة عربية!! ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»