في واحدة من اشهر اعمالها هي مسرحية «لولو» وفي زمن الفن الجميل الذي نفتقده اليوم، تخرج الرائعة التي لن تتكرر «فيروز» من السجن قبل شهر واحد فقط، من إكمال مدة العقوبة التي حكم بها عليها لجريمة لم ترتكبها، اربعة عشر عاما وأحد عشر شهرا قضتها في السجن قبل ان يتم اكتشاف براءتها من جريمة قتل اتهمت بها خطأ او تواطؤاً وكانت هي الضحية التي دفعت الثمن. تعود «لولو» إلى حارتها بذكريات سنوات الحبس، وبغصّة في الحلق وحسرة على السنوات التي راحت هدراً من عمرها. بعد خروجها من السجن تحاول أن تستعيد تفاصيل مشهد غابت عنه خمسة عشر عاماً إلاّ شهرا. تذهب إلى ماسح الأحذية تسأله عن أصابعه التي كانت سوداء قبل ان تدخل السجن فيجيبها بأنها قد ازدادت سواداً وابيضّ شعره. تسأله عن جزئيات صورة الحارة: عن زميليه ماسحي الأحذية اللذين كانا معه، فيجيبها بأن أحدهما مازال يزوره من آنٍ لآخر، أما الثاني فقد ضرب ضربته في تهريبة «دخان» واعتزل المهنة واستراح، تسأله عن صاحب مطعم «المعكرونة» التي كانت مميزة وعن زوجته التي كانت حسناء، فيجيبها بأن الزوجة قد هربت مع زبون «طلياني»! عندها تطلق تنهيدة تنم عن حسرة مكبوتة وهي تقول: «ولو .. شو تغيرت الدنيا!». تكشف عن المتاهة التي آلت إليها فتعترف لصديقها ماسح الأحذية انها قد رجعت الى بيتها وحريتها .. لكنها تشعر بأنها غريبة وحزينة «حتى الحبس نحزن عندما نفارقه .. انا شاعرة ان بيتي صار الحبس» يحاول ماسح الاحذية ان يواسيها ويخفف عنها معللاً ذلك بأنها لم تتعود بعد على الحرية لأن الحرية مسئولية تربك صاحبها. تصحح له «لولو» الفكرة وبصوت كله أسى تقول له ان الأمر ليس كذلك (حتى هنا لا نستطيع ان نقول ما نريد ولا أن نفعل ما نشاء) ثم تقرر أخيراً ان أحسن مكان للحرية هو «العصفورية»! يرد عليها ماسح الأحذية داعياً إياها إلى التروي فالانسان يستطيع ان يكون حراً حيثما يكون. ينتقل الحوار بعدها إلى موضوع آخر لنكتشف أنه في غيابنا يمكن ان تحدث أشياء كثيرة تثير استغرابنا .. تختفي وجوه وتظهر وجوه .. وننسى ان الاشياء نفسها يمكن ان تحدث في حضورنا أيضا دون ان نستطيع التدخل، فالحياة نهر جار تتغير وجوه الذين يمرون بضفتيه، أما هو فلا يتوقف عن الجريان .. تتجدد مياهه لكنها تمرّ بالمجرى نفسه. ثمة معنى آخر يقودنا إليه الحوار .. ذلك هو ألفة المكان وحميميته . فنحن نألف الأماكن ونشتاق إليها بالقدر نفسه الذي نألف به البشر ونشتاق اليهم .. حتى لو كان هذا المكان هو الحبس! إلى أي مدى يمثل لنا المكان قيمة ومعنى؟ ذلك معيار آخر نقيس به مدى شفافية نفوسنا ورهافة حسنا .. فكلما كانت النفس شفافة مرهفة الحس رقيقة الشعور كان ارتباطها بالمكان وثيقا ... ولذلك كان الحنين إلى أماكن الطفولة ومراحل العمر المختلفة ليس مجرد محاولة لإعادة عجلة الزمن إلى الوراء .. وإنما هو إحياء لذاكرة الفرح، واشتياق إلى زمن البراءة والطهر والنقاء .. إلى تلك الاوقات التي لم تلوث فيها النفوس بعد رياح حملت معها روائح غير مستحبة تسللت إلى الصدور فملأتها بكل ما هو مدمر للبراءة مخالف للفطرة. وكان الحنين إلى تلك الأوقات أيضاً تعبيراً عن الاشتياق إلى وجوه ارتبطنا بها منذ تلك الأزمنة .. أحبتنا لذواتنا .. لم تربطها بنا صلات آنية ولم تتوخ من حبها لنا مصلحة .. نشتاق إليها وإلى رائحة ذلك الزمن الذي جمعنا بها بعد أن غابت عن تفاصيل يومنا .. غيّب بعضها ما لا نقدر على رده . وغيب بعضها الآخر عجلة الأيام التي لا تكف عن الدوران حاملة البعض إلى مطلع الشمس والبعض الآخر إلى حيث تغيب. وكلما اتسعت رقعة العمران ضاقت حلقة الخلان .. نبتهج باتساع المدن وامتدادها، وننسى أنها بهذا الاتساع تقلص من محيط دائرة التواصل بيننا وتحولنا إلى جزر معزولة وتفتت كياننا. كلما زرت مدينة من المدن فرضت المقارنة بين القديم والحديث علي نفسها .. في الاجزاء القديمة يطل عبق التاريخ وتفوح رائحة العراقة .. من المباني بعمارتها التقليدية المميزة .. من الأزقة الضيقة وتعرجاتها صاعدة هابطة .. من المقاهي الشعبية المنتشرة فيها . من الوجوه الراضية المطمئنة التي تطالعك منها .. من الهدوء والسكينة المخيمين عليها. وعلى الجانب الآخر .. في الجزء الحديث .. يفرض الصخب والضجيج نفسه .. آلاف الاقدام تتحرك في كل الاتجاهات حثيثة الخطو سريعة الحركة يلهث أصحابها للوصول إلى غاياتهم .. أو هم يبحثون عن تلك الغايات وسط الغابات الاسمنتية الصمّاء .. عيون زائغة تحمل آلاف الاسئلة الحائرة .. ووجوه موسومة بالقلق، فشلت كل مساحيق التجميل وعطور ما بعد الحلاقة في تغطيته .. وقلوب تئن تحت وطأة ما تحمله من هموم تنوء بحملها الجبال الرواسي. حميمية المكان والحنين إلى الأماكن يقوداننا إلى حكاية ميسون بنت بحدل الكلبية، أم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .. تلك الاعرابية التي أعجب معاوية بجمالها الباهر وحسنها الطاغي فتزوجها وهيأ لها قصراً بالشام مشرفاً على الغوطة، وزينه بأنواع الزخارف، ووضع فيه من أواني الذهب والفضة ما يضاهيه، ونقل إليه من الديباج الرومي الملون والموشى ما هو لائق به، ثم أسكنها مع وصائف لها كأمثال الحور العين، فلبست يوماً أفخر ثيابها وتزينت وتطيبت بما أعدّ لها من الحلي والجوهر الذي لا مثيل له، ثم جلست في روشنها وحولها الوصائف، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها، وسمعت تجاوب الطير في أوكارها، وشمّت نسيم الازهار ورائحة الرياحين والنوّار فذكرت نجداً وحنّت إلى أترابها وتذكرت مسقط رأسها فبكت وتنهدت، فقالت لها بعض حظاياها: ما يبكيك وأنت في ملك يضاهي ملك بلقيس؟ فأطلقت من صدرها تنهيدة حرّى ثم أنشدت: لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ أحب إلي من قصرٍ مَنيْفِ ولبسُ عباءةٍ وتقر عيني أحب إلي من لبسِ الشفُوفِ وأصواتُ الرياحِ بكل فَج أحب إلي من نقرِ الدفُوفِ إلى آخر الابيات التي نقلت إلى معاوية أو قيل إنه سمعها وهي تنشدها فكانت سبباً في مفارقته لها وإعادتها لنجد . فهل تراه عاقبها أم أنه حقق لها أمنية غالية؟ هكذا نحن دائماً .. نسافر بعيداً .. نجوب بحاراً واسعة .. نزور موانيء عديدة .. نألف أماكن كثيرة .. ثم نعود لأماكننا الأثيرة لنردد مع أبي تمام: كم منزلٍ في الكونِ يألفُهُ الفتى وحنينُهُ دوماً لأولِ مَنْزِلِ