ليس دفاعاً عن المحافظين وهم الذين أساءوا استخدام السلطة السياسية من أجل تحقيق مآرب فئوية على حساب نظارة الفكر الديني الملتزم. وليس دفاعاً عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي التي أساءت تقدير الموقف في أكثر من مرة ولم تراكم تجارب الشعب الفلسطيني الغنية. وليس دفاعاً عن النخب الدينية التقليدية وهي التي غفلت أو تغافلت عن حركة العصر المتسارعة التي تستنفرنا من أجل تجديد الفكر الديني. ولكن أن يكون البديل لكل هذه الاخفاقات أو العثرات أن يأتي الأجنبي أياً كان لباسه أو مذهبه أو خطابه ليحدد لنا الصالح من الطالح أو يفرض علينا املاءاته بحجة ضرورة التغيير والاصلاح، فهذا أمر لا يجوز السكوت عنه أو المرور عليه مرور الكرام. بداية أقول بأنني لست ضد التعلم من الأجنبي والاعتبار من تجاربه أياً كان هذا الأجنبي، فرسولنا الكريم واضح في تعليماته الخالدة «اطلب العلم ولو بالصين» وغيرها الكثير مما يأتي في هذا السياق النابع من المدرسة القرآنية أساساً. في الأسبوع الماضي تابعت ثلاثة ملفات اخبارية جوهرية في تأثيراتها على امتداد الهلال الاسلامي الممتد من طنجة الى جاكرتا. ففي سياق الدعوات المتسارعة والمتنامية لاصلاح الأداء الفلسطيني تتزايد الضغوط الأجنبية لاسيما الاميركية منها من أجل الاطاحة بالقيادة الفلسطينية الحالية بحجة انها «لا تعبر عن آمال الشعب الفلسطيني الحقيقية»! وهو قد يدغدغ مشاعر الكثيرين داخل الشعب الفلسطيني وعلى امتداد الوطن العربي والاسلامي. لكنه كلام مسموم مطلي بالدسم، وقد يكون من نوع كلام حق يراد به باطل. ولا يكفي هنا ان نقول انه ليس بالامكان تجنب الموجة الدولية المطالبة بالديمقراطية وحقوق الانسان و.... فهذه قصة لا تنتهي إلا باسقاط كل خياراتنا الوطنية تباعاً إذا ما اعتمدناها هي المعيار، فاليوم قد يكون دور فلسطين وغداً العراق وبعد غد ايران وسوريا وهلمجراً.. ولن يسلم منها أحد حتى حلفاء الادارة الاميركية المقربين! علينا أولاً ان نحزم أمرنا متحدين بوقف التدخل في شئوننا الداخلية والإعلان صراحة بأن ما قد يناسب الوضع الدولي قد لا يناسب الوضع أو الشئون أو الظروف أو المصالح الوطنية في هذا البلد أو ذاك، وهذا أمر يحدده أهل البلد أنفسهم «وأهل مكة أدرى بشعابها». وأما في سياق الجهود الحثيثة المبذولة في ايران من أجل ترسيخ الديمقراطية والمسار الديمقراطي، فعلى الجميع أن يعلم لاسيما تلك الطبقة المتدثرة بعباءة الاصلاح من الليبراليين اللادينيين أو العلمانيين أو ضعيفي الالتزام الديني أو ليسموا أنفسهم ما يشاءون، بأنه لا ديمقراطية ناجحة أو مستديمة في ايران من دون تلازمها بالعامل الديني. وهذا الكلام ليس ارضاء للنظام الحاكم ولا لفئة من رجال الدين، بل هو اتساق وانسجام وتواؤم مع طبيعة المجتمع الايراني المتدين باعتدال عبر العصور الطويلة المتمادية حتى قبل الإسلام. وما الانتكاسات التي حصلت في ثورة المشروطة عام 1906 وما تلاها من نهضة فكرية وسياسية، أو في الثورة الشعبية في بداية الخمسينيات وما تلاها من حركة وطنية لتأميم النفط وصعود حركة مصدق، ومن بعد ذلك ثورة 15 خرداد بقيادة الامام الخميني في بداية الستينيات وما تلاها من نهضة اسلامية إلا دليل على ما نقول، حيث يخلص كل قاريء متعمق لهذه التجارب الى أن السبب الحقيقي وراء تلك الانتكاسات إنما كان في الواقع بسبب الصدام الحاصل بين النخبة من المدنيين مع النخبة من علماء الدين وسوء تقدير أحد الطرفين أو كلاهما للمعادلة الوطنية الداخلية وعلاقتها بالمعادلة الدولية مما أفسح المجال للأجنبي للاطاحة بالتجارب الثلاث آنفة الذكر سريعاً أو بعد حين، فيما فشل هو نفسه في تعامله مع الثورة الاسلامية التي انتصرت في العام 1979. فكيف حصل هذا؟ التفسير الوحيد الذي يجمع عليه المحللون الوطنيون هو في ان التجربة الأخيرة استعجلت الضربة الأجنبية بالاصلاح الوطني الحقيقي، الأمر الذي سحب البساط من تحت أرجل الأجنبي الذي ظل يتربص بالتجربة الحديثة نحو عقدين من الزمن. وهذا الاصلاح لم يكن ممكناً في ايران لولا وحدة حسن تقدير الموقف بين المثقفين المدنيين وعلماء الدين في غالبيتهم الوسطى. اليوم هناك خطر يتهدد هذه الوحدة في الموقف بسبب بعض الافراط والتفريط من الجانبين، كأن يأتي أحد كبار المنظرين الجامعيين ليطالب بالاطاحة بنظام المرهبة والتقليد المتبع منذ قرون بين فئات واسعة من الشعب الايراني وطبقة رجال الدين بحجة ضرورة الاصلاح الهيكلي الديني أو ان يأتي أحد ليكفر أو يفسق غالبية المثقفين أو يتهمهم بالتبعية للغرب بحجة ضرورة التنبه لأخطار الحداثة وما بعد الحداثة. ونحن من جهتنا نقولها وبكل تواضع لاخواننا المدنيين بأن رضا شاه الشاهنشاه الأكبر ورغم كل تجرؤه على القيم الدينية ومطالبته بنزع الحجاب عن الفتيات تيمناً بأتاتورك في الثلاثينيات والاربعينيات، إلا انه كان ينزل حافياً الى الشوارع لممارسة طقوس عاشوراء في العشرة الأول من محرم احتراماً أو تملقاً أو ارضاء أو هيبة ورهبة من علماء الدين لعمق تواصلهم الشعبي. ونقولها بكل تواضع ايضاً لاخواننا واحبتنا من علماء الدين بأن مدفعيتكم المضادة للتحلل والفساد الاخلاقي والمعرفي، وصولاً الى أخطار العولمة المحدقة بنا جميعاً فضلاً عن أخطار الحداثة وما بعدها لن تنجح في مهمتها الرسالية والنضالية بدون قوات المشاة الذين ينتمون في غالبيهم الى طبقة المدنيين والأفندية. وبالتالي فإن التكامل والتواصل هو الحل الوحيد والاحترام المتبادل والاصلاح التدريجي المحسوب بدقة واتزان هو الطريق الأنجع لمنع تكرار تجارب عودة الأجنبي. وأما الملف الثالث وهو الملف العراقي، فقد قرأت قبل أيام كتيباً لآية الله أحمد البغدادي وهو من مناضلي الحركة الاسلامية في العراق كما يعرف عن نفسه، ينتقد فيه، فيما ينتقد رواد الحركة الاسلامية الأوائل هناك «ترددهم». ويعزو الأسباب الى أمور أهمها عدم لجوئهم الى ما سمّاه بـ «العمليات النوعية التي تستهدف رموز النظام والحزب والمخابرات»! وهو أمر أحزنني، بل أصابني بالذهول، خاصة عندما يصدر مثل هذا الكلام عن رجل دين، فكيف وبأي مبرر شرعي أو عرفي نستطيع ان نبرر مثل هذه العمليات ضد أبناء الشعب الواحد، ونبرر فيه أسوأ أنواع الدعوة الى الحرب الأهلية وديننا يمنعنا بوضوح لا شائبة فيه عندما يقول مسلم بن عقيل لهاني بن عروة الذي خبأه في بيته وهو قادم الى الكوفة رسولاً عن الإمام الحسين: «لن أقدم على قتل ابن زياد الذي جاء الى بيتك قبل أن يحين وقت المعركة، لأن الايمان قيد الفتك». نعم يا مولانا الشيخ الجليل، فإن واحدة من أنبل سمات ومواصفات تلك الحركة التي انتقدتها وهي حركة الشباب المسلم هي في كونها لم تمد يدها لتذبح ابناء وطنها بسكين الفتنة والحرب الداخلية. ألم تسمع بعد باعتذار قيادة «الجماعة الاسلامية» التاريخي للشعب المصري لما قامت به من عمليات «نوعية» ضد الشرطي والضابط ورجل المخابرات المصري والذي قد يكون بالمناسبة أقرب الى الله من مقاتل الحركة الاسلامية، وهو يؤدي واجبه الوطني تحت وابل من الضغوط والهموم والاهتمامات والقهر الذي لا يعلم عنه إلا الله، والله أعلم. لقد حان الوقت أن تتوقف مثل هذه العمليات العبثية والعدمية في كل أرجاء الوطن العربي والاسلامي، وأن نفرق بجد بين ما يقوم به أهلنا وأحبتنا المجاهدون في فلسطين ولبنان ضد المحتل الأجنبي الغاصب من عمليات استشهادية شريفة ومشرفة وبين ما تقوم به حراب الفتنة والاقتتال الداخلي، وان يعتذر علماء ديننا ومثقفونا المتورطون في مثل هذه الأعمال الى شعوبهم قبل أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه متأخراً، ويا حبذا لو تنبهوا مبكراً لمثل هذا ووجهوا بنادقهم ووحداتهم الضاربة باتجاه فلسطين معيار الجنة والنار في العمل السياسي العربي والاسلامي. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني