اين مشروع «المبادرة العربية»؟ قد يحق لنا ان نغضب ازاء المقترحات التي عرضها الرئيس بوش الاسبوع الماضي باعتبار ان واشنطن في الحقيقة تبنت رؤية ارييل شارون، وشروطه الاحادية الطابع وباعتبار ان خطاب الرئيس الاميركي في هذا الصدد كان اساءة مهينة الى العرب جميعاً ـ شعوبا وقادة ـ بوضع المصير الفلسطيني في يد اليمين الاسرائيلي. ولكن قبل ان نوجه ثورة غضبنا تجاه واشنطن كان الاجدر بنا ان نتساءل لماذا تجاهل القادة العرب مشروع مبادرتهم الذي اتفقوا عليه واجازوه بالاجماع في اجتماع قمة بيروت عند نهاية مارس؟ وان نتساءل ايضاً لماذا، عوضا عن الدفاع عن هذه المبادرة، اخذت قيادات عربية تتسابق نحو البيت الابيض وكل يحمل مقترحات تنازلية من شأنها نسف اسس ومرتكزات مبادرة القمة؟ لم تكد تمضي بضعة اسابيع على اجازة المبادرة العربية حتى اخذ الرئيس بوش يتلقى «مبادرات» اخرى انفرادية تحيد عن مبدأ «الانسحاب الاسرائيلي الكامل من كافة الاراضي العربية التي احتلت عام 1967» الذي تقوم به المبادرة العربية الاجماعية لتقدم عوضاً عن ذلك مساومات. ان هذا التسابق العربي التنافسي هو قطعاً ما أغرى الرئيس الاميركي بالجنوح الى تبني الموقف الاسرائيلي الشاروني. فلا شك ان الانطباع الاقوى الذي وقر في ذهن الرئيس هو ان القادة العرب منقسمون على انفسهم رغم ما بدا من تضامن عند ختام قمة بيروت ازعج واشنطن وتل ابيب على حد سواء. لقد غضبنا كشعوب عربية على ما ورد في خطاب الرئيس بوش من فكرة دولة فلسطينية «مؤقتة». فكان علينا ان نستعيد الى الاذهان ان هذه الفكرة ذاتها تقدّم بها طرف عربي الى البيت الابيض ضمن اقتراح بأن تقام الدولة الفلسطينية على اقل من نصف مساحة الضفة الغربية (زائد غزة) كوضع «مؤقت». وبينما كان الرئيس بوش مستغرقاً في مشاورات مع كبار مساعديه حول الخط الاستراتيجي لخطابه اعلن طرف عربي اخر بصورة ضمنية تأييده لاقتراح الطرف العربي الاول. وجاءت الضربة الاخيرة لمشروع المبادرة العربية من الطرف الفلسطيني نفسه صاحب القضية بالاصالة. ففي المرحلة الاخيرة من عملية اعداد خطاب الرئيس الاميركي بعث الرئيس عرفات بمساعده د. نبيل شعث الى واشنطن ليقدم «مشروعاً» فلسطينياً. واذ تكتمت القيادة الفلسطينية على هذا المشروع فلم تطلع عليه شعبها فضلاً عن الشعوب العربية الاخرى فإن وسائل الاعلام الاميركية تكفلت بنشر تفاصيله. واذا كان المشروع الفلسطيني ينطوي ايضاً على تنازل فإن هذا التنازل يمس اخطر قضيتين في سياق الصراع العربي الاسرائيلي وهما: مصير اللاجئين ومستقبل القدس. فالمذكرة التي سلمها د. شعث الى وزير الخارجية الاميركية كولن باول لا تتضمن ـ وذلك للمرة الاولى في تاريخ الصراع ـ مطلباً محدداً بحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى وطنهم في «فلسطين التاريخية» (اسرائيل). ورغم ان المذكرة رددت المطلب الفلسطيني بأن القدس الشرقية ستكون عاصمة الدولة الفلسطينية الا ان المذكرة تقول ايضاً ان الجانب الفلسطيني يتعهد بنقل السيادة على الحي اليهودي و«حائط المبكى» في القدس الشرقية الى اسرائيل. وهكذا وجد الرئيس الاميركي نفسه ازاء قادة عرب يزايدون على بعضهم البعض في الوقت الذي كان يتعرض لضغوط متعاظمة داخل البيت الابيض نفسه من مساعدين كبار يعملون لحساب اللوبي اليهودي واسرائيل. ولذا رأينا ان الروح العامة لخطاب بوش لا تعكس فقط عدم اكتراث بالعرب بل ايضاً استخفافاً مهيناً. فهل من الانصاف ان ينصب الغضب الشعبي العربي على الرئيس الاميركي وحده؟ لقد بلغت المزايدات العربية السابقة على الخطاب الاميركي حد ادانة الذات علناً. فقد قال الرئيس عرفات في حديث الى صحيفة اسرائيلية انه أخطأ في رفض مقترحات كامب ديفيد للسلام التي عرضها الرئيس السابق بيل كلينتون. وفي ادانة قوية للعمليات الاستشهادية الفلسطينية قال انه يمكن ان يزور الاسر الاسرائيلية التي قتل افراد منها في مثل تلك العمليات من اجل التعزية والاعتذار! هذا كله يقودنا الى طرح التساؤل الاول: اين المبادرة العربية؟ ولماذا وكيف فقدت ذلك الاجماع الذي اختتمت به قمة بيروت؟