نختلف أو نتفق على الكثير من سياسات الرئيس الفلسطيني عرفات، ولكنه ـ بلاشك ـ يملك من الشرعية ما يفوق ما يملكه الرئيس الأميركي بوش الابن الذي يبدو أنه مازال يعاني من الأزمة التي رافقت انتخابه بأغلبية بضعة أصوات في الولاية التي يحتل فيها أخوه منصب الحاكم، وبأغلبية صوت واحد في المحكمة التي فصلت في النزاع حول صحة انتخابه. ومع ان أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من تطورات حشدت للرئيس الأميركي من التأييد ما عوضه عن الشرعية المفقودة، الا أنه مازال يتصرف من وحي نتائج الإنتخابات التي جعلته رئيسا بأصوات أقل من التي حصل عليها منافسه. ولعل هذا يفسر جانبا من عوامل انحيازه غير المسبوق لإسرائيل وهي تمارس حربها البشعة ضد الشعب الفلسطيني، وتواطؤه المخزى مع السفاح شارون الذي جعل منه «بطلا للسلام».. فالرجل لا يتصرف ـ كما يقول ـ لكي يحارب الإرهاب، ولكنه يقاتل وعينه على صناديق الانتخابات القادمة بعد شهور لتجديد مجلس الشيوخ وبعد عامين للرئاسة التي يريد ان ينالها في المرة القادمة بدون شبهات، وكلما ازدادت الفضائح المالية والسياسية وساءت الأوضاع الاقتصادية في عهده زادت الحاجة الى اللوبي الصهيوني لكي يؤيد ويدعم ويقبض الثمن مقدما انحيازا أعمى لإسرائيل. انحياز أعمى كل هذا مفهوم ومعرف، ومن هنا كان استغرابنا للآمال الكاذبة التي جرى الترويج لها في الأسابيع الماضية حول «البيان المنتظر» من الرئيس الأميركي وما سيقدمه من نظرة أو رؤية متوازنة لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ووقف المذبحة التي يقيمها السفاح شارون ـ متسلحا بالدعم الأميركي ـ للشعب الفلسطيني. صحيح ان العرب قدموا أقصى ما يمكن من تنازلات، وعرضوا التطبيع الكامل مع اسرائيل مقابل انسحابها من الأرض المحتلة عام 67، وتبنوا في قمة بيروت صيغة مراوغة للحديث عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين تمهد الطريق للتنازل الواقعي عنه. ولكن ذلك لم يغير شيئا في الاستراتيجية الأميركية نحو المنطقة التي سمحت لشارون بأن يقوم ـ بعد ساعات من قمة بيروت وما قدمته من تنازلات ـ بعدوانه الوحشي الجديد على الشعب الفلسطيني، ولتدوس الدبابات الإسرائيلية في طريقها المبادرة العربية التي وعدتنا الأنظمة العربية بأنها ستكون الطريق لقلب وعقل الإدارة الأميركية لتتخلى عن انحيازها البشع ضد العرب. وصحيح ان السلطة الفلسطينية خضعت للضغوط الأميركية والأوروبية و.. العربية،وقبلت ما لا يمكن قبوله.. سجنت المقاتلين الفلسطينيين في سجون فلسطينية أو أميركية، ووافقت على نفي المعتصمين بكنيسة المهد، وسكتت على حملات الاغتيال للمدنيين، وأدانت العمليات الاستشهادية، ووضعت زعيم حماس رهن الاعتقال، وأرسلت مبعوثيها الى واشنطن يقدمون المزيد من التنازلات.. لكن ذلك لم يشفع للسلطة التي راهنت - منذ أوسلو ـ على ان واشنطن هي الراعي الأمين لعملية «سلام الشجعان» عليها ألف رحمة وألف نور! وهكذا جاء الخطاب المنتظر للرئيس الأميركي ليعلن الفشل الكامل في سياسة تقديم التنازلات العربية والفلسطينية لواشنطن أملا في موقف متوازن فالرئيس الأميركي لم يكتف بتجاهل كل المبادرات العربية والفلسطينية، وإنما قدم خطابا قال عنه وزير الإتصالات الإسرائيلي انه كان يمكن ان يكتبه مسئول في الليكود، وكان بإمكانه شخصيا «أي الوزير الإسرائيلي» أن يلقيه في الكنيست! بينما قال وزير اسرائيلي آخر بعد سماع الخطاب: أن بوش يجب تقليده وسام الصهيونية! جريمة الترحيب ولم تكن المفاجأة في خطاب بوش المنحاز لإسرائيل، ولا في الأفراح التي أقامتها اسرائيل بعد سماعها له، وإنما المفاجأة في ترحيب السلطة الفلسطينية السريع بخطاب بوش الذي كال الإهانات للشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية، وطالب بقيادة «جديدة، ومختلفة». وهو الترحيب الذي اتخذته بعض الأنظمة العربية ذريعة للترحيب بخطاب الإهانة الأميركية بحجة قبول ما يقبله الفلسطينيون. إن كل ما قدمه الرئيس الأميركي للفلسطينيين هو وعد بلافته يكتب عليها دولة فلسطين «المؤقته» وذلك بعد ان تأتي قيادة فلسطينية جديدة غير ملوثة بـ «الإرهاب» ومؤسسات جديدة ودستور جديد وبرلمان له سلطة حقيقية، وإصلاح مالي ونظام قضائي ، وعندما يعاد بناء أجهزة الأمن «تحت اشراف المخابرات الأميركية».. وإذا تم ذلك وفقا للشروط الأميركية فسيتم وضع اللافتة للإعلان عن دولة فلسطينية ستكون حدودها وعاصمتها والوجوه الأخرى لسيادتها محل تفاوض أعطاه الرئيس الأميركي ثلاث سنوات،ومع ترك موضوعات القدس واللاجئين والعودة لشرط انسحاب اسرائيل الى حدود آمنه ومعترف بها وليس الى حدود 67. كيف تقبل القيادة الفلسطينية مثل هذا الخطاب المهين الذي لايقدم أي خطوات عملية لإنهاء الاحتلال، بل يعطي شارون كل المبررات لكي يواصل حملته العسكرية المجنونة باعتبارها دفاعا عن النفس، ولماذا لم تتم دعوة المجلس التشريعي ليبحث الأمر «ولماذا لا تناقش منظمة التحرير رؤية الرئيس الأميركي».. بل ولماذا لم تنتظر السلطة ان يجتمع وزراؤها ليبحثوا ويقرروا ؟ ربما يكون الرئيس الفلسطيني قد أسعده ان الرئيس الأميركي لم يذكره بالاسم وهو يتحدث عن الفساد والإرهاب ويطالب بقيادة جديدة ومختلفة وربما يكون قد أسرع بالترحيب في محاولة لتأكيد أنه ليس المقصود بالتغيير المطلوب ، وهو الأمر الذي نفته الإدارة الأميركية بعد ذلك على لسان وزير الخارجية «المعتدل!» كولن باول الذي أعلن ان قرار التخلص من عرفات قد اتخذته الإدارة الأميركية ولكن «على مضض»!! ربما يكون هذا هو الذي دعا السلطة الفلسطينية الى الإسراع بإعلان ترحيبها، وربما تكون نصائح مسبقة بالترحيب حتى تتجنب «الأسوأ» وحتى تترك لنفسها مجالا للمناورة في سبيل البقاء، وربما اليأس من أي قدره للأنظمة العربية على المواجهة الحقيقية مع هذه التوجهات الأميركية،ولكن ذلك كله لا يبرر كارثة «الترحيب» بخطاب يتهم الشعب الفلسطيني بالإرهاب ويتهم السلطة نفسها بالفساد ويغتصب لنفسه حق تغييرها، ثم يعطي لشارون الحق في استكمال مهمته لقمع الشعب الفلسطيني وإذلاله باعتبارها جزءا من حرب أميركا «المقدسة» ضد الإرهاب!! وإذا كان الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في ظل الهجمة النازية الشرسة التي تشنها اسرائيل وأميركا ـ والعجز العربي الرسمي عن فعل شئ، والصمت العالمي على الجريمة البشعة التي تتم.. اذا كان هذا الوضع يفسر هذا التخبط الذي تعيش فيه السلطة الفلسطينية بعد ان فشل رهانها على أوسلو وملحقاته، فإن الأكثر عجبا هو هذا الترحيب الذي «تتبرع» به أو «تجبر» عليه العديد من الأنظمة العربية بهذه «الرؤية» الأميركية التي جاوزت الإنحياز والتواطؤ الى الوقاحة والإهانة. مرحلة خطيرة إن خطاب «الرؤية» الأميركية لا يكتفي بإهدار حقوق الشعب الفلسطيني وإعطاء شارون ترخيصا بالقتل وإستكمال المذبحة التي ينصبها منذ شهور، ولكنه يمضى خطوات بعيدة لتجسيد «زلة اللسان» الشهيرة للرئيس الأميركي حول «الحرب الصليبية» الجديدة التي يقودها ضد العرب والمسلمين. ان خطاب الرؤية للرئيس بوش يكرس حق واشنطن في تغيير القيادات العربية، فبعد الاعلان عن ضرورة التخلص من الرئيس العراقي جاء الدور على ياسر عرفات. والبقية تأتي ومعها قوائم التهديد التي تحدد «الإلتزامات» المطلوبة من الأنظمة العربية في الحرب الصليبية الجديدة. - ان على سوريا ـ كما يقول بوش ـ ان تختار الجانب الصحيح في الحرب ضد الإرهاب بإغلاق المعسكرات «الإرهابية» وطرد المنظمات «الإرهابية!» ـ إن على العرب ان يسمعوا جيدا لحديث «الرؤية الأميركية» عن وقف تدفق الأموال والمعدات والمجندين الى الجماعات «الإرهابية!» بما في ذلك حماس والجهاد وحزب الله. - تطلب «الرؤية الأميركية» من كل دولة تريد النجاة ان توقف شحن الإمدادات الإيرانية الى هذه الجماعات. والأخطر أنها تفرض على الدول العربية ان تعارض أنظمة الحكم «التي تشجع الإرهاب» مثل العراق. - وفي مواجهة الدعوة المتصاعدة لقطع كل علاقات مع الكيان الصهيوني حتى يوقف عدوانه على الشعب الفلسطيني وينهي احتلاله للأرض العربية تفرض الرؤية الأميركية على العرب ان تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية أوثق مع اسرائيل تؤدي الى تطبيع كامل للعلاقات مع اسرائيل بمجرد «التحرك نحو حل سلمي» ، وهو بذلك يضع المبادرة العربية في سلة المهملات معطيا العرب درسا جديدا في ان السياسة لا تعرف الإستجداء ولا تسول الحلول،وإنما تعرف حقائق القوة وأوراق الضغط وتخضع لشروطها وحدها. إن خطاب الرؤية الأميركية الذي قدمه بوش يدخل بالعرب الى مرحلة جديدة وخطيرة لن يجديهم فيها تقديم التنازلات ولا سياسة «تفويت الفرصة» التي ابتدعها البعض لكي يبرروا العجز عن مواجهة الهجمة الإسرائيلية ـ الأميركية التي يقودها شارون وبوش والتي لا تستهدف فلسطين فقط، ولا العراق فقط، ولكنها تستهدف كل الوطن العربي من المحيط الى الخليج بعد ان أصبح شعار «الحرب ضد الإرهاب» عنوانا لحرب صليبية جديدة تعتبر الفلسطينيين ومنظمات المقاومة صورة أخرى لتنظيم «القاعدة» وتعتبر العرب جميعا صورة جديدة لحركة «طالبان».. وبدون مواجهة حقيقية لهذه السياسة فإن المنطقة كلها تسير الى كارثة. إن سياسة النعامة التي تتجسد في ترحيب السلطة الفلسطينية والكثير من الأنظمة العربية بالرؤية الأميركية التي طرحها بوش لن تنقذ الأوضاع من التدهور، ولن تقلل من الإندفاع الأحمق للإدارة الأميركية في تحالفها مع الجنون الإسرائيلي. إن ما ينقذ الأوضاع في المنطقة ـ بل وينقذ أميركا نفسها من الكارثة التي يقودها اليها اليمين المتخلف الذي يحكمها ـ هو ان نقول «لا» لهذه السياسات الخاطئة،ولهذا التحالف الإجرامي بين البيت الأبيض والسفاح شارون. ان الرئيس الأميركي قد يسعده ان تصفه الصحف الإسرائيلية بعد خطابه المأساة بأنه العضو الجديد في حزب الليكود لأن ذلك يعطيه أوراقا انتخابية في بلاده، ولكن عليه ان يدرك ان عضويته لليكود سيكون ثمنها غالياً ليس على الجانب العربي فقط، وإنما في العالم كله. رفض الهيمنة إن كلمة «لا» في وجه عضو الليكود الجديد مطلوبة وبحسم، قبل ان تتحول المنطقة العربية كلها الى أفغانستان، وقبل ان يكون مطلوبا في كل بلد عربي «قرضاي»، وقبل ان تكون خريطة الليكود للوطن العربي هي الخريطة المعتمدة في البيت الأبيض. إن كلمة «لا» في وجه عضو الليكود الجديد تعني ان تستمر المقاومة في الأرض المحتلة، وأن يستمر الدعم لها، وأن تستخدم أوراق الضغط العربية وما أكثرها وما أجداها اذا امتلكت الأنظمة العربية الإرادة،وأدركت أنها ليست بعيدة عن آثار هذه الحرب الصليبية الجديدة. أن الإستجداء لا يجدى في السياسة، وقبول المهانة لايزيل الخطر، وتقديم التنازلات المجانية يفتح شهية الأعداء. وإذا كان الحل في يد واشنطن، فالطريق اليه ان يعرف سيد البيت الأبيض وعضو الليكود الجديد أن» ثمن عضويته الجديدة سيكون فادحا، وأن يفهم كل أميركي ان محور الشر بين شارون وبوش لن تكون له نتيجة الا تدمير مصالح بلاده في هذه المنطقة الحيوية، وأن يدرك كل نظام عربي ان الخطر ليس بعيدا وأن المقاومة وحدها هي التي تفتح باب الخلاص. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية