ان تكتب عن النجاح وهو يتألق بين ناظريك وتراه امامك شاخصاً متجسداً في اجسام من لحم ودم، فانت اذن امام هالة من النور تحدك باشعاع وقوة في لحظة اللقاء بها تتمنى لو ان تستمر وتدوم. ليس هناك لحظة تماثل لحظة مصافحة العيون كل عام لوجوه الطلبة والطالبات الاوائل على المرحلة الثانوية. انها لحظة مليئة بالمشاعر الغامرة، والاماني الكبيرة، والاعجاب اللامحدود بأولئك الرواد المتقدمين على اقرانهم، الذين فتحوا اذرعهم للنجاح فأقبل دون ممانعة. وكان لقاؤه بهم حاراً وكان اعلانا عن جدارتهم واهليتهم ليكونوا في الصدارة وليس في اي مكان غير الصدارة. ميزة المتفوقين ايها السادة والسيدات انهم يعرفون كيف يحددون اهدافهم بدقة، وكيف يصلون اليها بوسائل واساليب محددة وواضحة وهم على اتم الاستعداد لدفع فاتورة النجاح الذي يريدون مهما ارتفع ثمن الفاتورة المطلوبة ومهما كان نوع الجهد المطلوب منهم. ان درجة الاحساس بالمسئولية لديهم عالية، وقد تخلوا عن احلام اليقظة في مرحلة من العمر مبكرة، وعايشوا متطلبات المرحلة العمرية والدراسية التي يمرون بها وهم في كامل معرفتهم بشروط النجاح الذي اليه يطمحون. لقد شحذوا اذهانهم في التركيز الشديد على ما بين ايديهم من مسئوليات علمية تتطلب قدراً عاليا من الدقة والحساسية مع الوقت الذي عرفوا انه سلاح ذو حدين، فاما ان يستثمروه لصالحهم، واما ان يبددوه فتطير معه احلامهم الكبيرة، فكان الوقت عوناً لهم، ومن اهم الادوات التي اسعفتهم في رحلتهم الهادفة والمثيرة. كما ان التفوق يتطلب قدراً عاليا من اللياقة النفسية التي تغذي اصحابها بمشاعر التحدي والاصرار، وتمنحهم القدرة على المواصلة القوية والمتدفقة الى النقطة الاخيرة التي يتسلمون فيها كأس التفوق ويرفعونها عالياً ـ كما رأينا ـ ليراه الجميع، ويسعدوا بسعادة الفائزين. ولان الثقة بالنفس تولدت لديهم باكراً ومنذ سنوات النجاح الاولى التي حصدوها الى المحطة الاخيرة في هذا العام، فقد تحصنوا بتلك الثقة من اي اختراق للمشاعر السلبية او الافكار المحبطة التي تبدد طاقة كثير من الطلاب، ويصيبهم بالارتباك والحيرة والتشتت. لقد احسن هؤلاء الطلبة تقييم انفسهم ونظروا الى ذواتهم نظرة الاحترام والتقدير، وسمحوا للهواء النقي ان يملأ نفوسهم بالرجاء والسكينة، وهو ما اكسبهم حصانة ذاتية تولدت من تلك المهارة والخبرة في التعامل الجيد مع ذواتهم. ولو التفتنا الى الراعي الحقيقي، والمهندس المحترف في صناعة هذا النجاح البشري الفريد لبدت لنا صور اولئك الأباء والامهات الذين كانوا حراساً امينين على ما بين ايديهم من ودائع، حفظوها واخلصوا في رعايتها وحمايتها والسهر عليها دون ملل اوسأم أو غفلة. لم تنم عيون اولئك الاباء والامهات عما بين ايديهم من امانة تستحق ان تصان ومن ثروة هائلة تستحق ان تستثمر خير استثمار. لذلك تواصل دعمهم، واهتمامهم بالليل والنهار، وهم يبذلون فرحين انواع الدعم النفسي والمباديء، وهم واثقون بأن الفوز الكبير ينتظر ابناءهم بشوق وحنين. وعندما حانت لحظة الاعلان عن اسماء الاوائل كان هؤلاء الاباء اكثر الواثقين من ان اسماء ابنائهم ستظهر في تلك القائمة. لقد كانوا مطمئنين في تلك اللحظة ان ما زرعوه سينبت روحاً وريحاناً، وقد استجاب القدر واعطاهم ما تأملوه واكثر. الشكر والتقدير والتهنئة الحارة منا جميعاً لاولئك المربين صانعي هذا الفوز، الذين منحوا الوطن تلك اللآليء الفريدة، ومنحوا الامة ما هو اغلى من المال. هذه النفوس المتلهفة للعلم.. المتحفزة للغد.. المتوثبة للحياة.. انها سلاحنا الاقوى الذي نتقدم به نحو الغد.