في النظام الاداري العربي ليس هناك مقياس لأداء الموظف من خلال انتاجه الحقيقي أم من حيث بقائه على الكرسي وفق ساعات الدوام الرسمي لكل مؤسسة على حدة. يمكن ان نقول مجازا انه ليس هناك نظام يحدد اطار العمل وكيفية التعامل معه من جانب الموظف الحريص على الانضباط بالشروط الادارية البعيدة عن مجال الانتاج الفعلي والقريب من تمضية وقت الفراغ امام الطاولة. واذا كانت التعيينات تتم لملء الفراغات أو للتخلص من شبح البطالة الحقيقية على حساب البطالة المقنعة او ما يسمى بالتضخم الوظيفي في مسارات ادارية تشبعت بالموظفين منذ سنين. والانظمة الادارية التي تقتبس من هنا وهناك ودون وجود معايير للتقييم يكون الحال اقرب الى التخمين وقراءة الفنجان لمعرفة المحظوظ من غيره حتى لا يأتيه صوت القانون الاداري على رقبته وهو لا يعرف السبب الا من خلال رسالة ضعف الاداء والانذار المبدئي او النهائي. فالعمل الاداري في المجتمعات العربية غير واضح المعالم، لذا تنهمر ساعات العمل انجرارا نحو ضياع بوصلة الانتاج المؤدي الى النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كذلك، لان من يعمل ساعة يحاسب كمن يعمل الف ساعة في الختام، والعكس ايضا عين الصواب فمن الضابط لهذا الانفلات في التقييم والمحاسبة؟ في الغالب «الهوى» الذي يبعثر الجهود ولا يبالي لان ضبط الاهواء والرغبات الشخصية يستحيل اذا لم توضع في الأطر القانونية السليمة. نقرأ ونتابع التقارير التي تدق جرس الانذار من ساعات العمل التي تهدر في بعض المجتمعات العربية على حساب تطورها ولحاقها بالأمم التي تتسابق لكسب الثواني قبل الدقائق، بل احيانا لاجزاء من الثانية، اهمية اكبر لنيل المراتب الاولى في مجالات الحياة العامة والخاصة. فمن هذا القبيل ما قاله تقرير حكومي في مصر ان عدد ساعات العمل المهدرة بلغت عام 2000م نحو 1.2 مليار ساعة عمل بلغت تكاليفها نحو الفين و 600 مليون جنيه مصري. والسبب في ذلك الهدر يعود الى التزام الحكومة بمهمة توظيف الخريجين طوال الخمسين سنة الماضية ما جعلها تنفق مبالغ ضخمة على المباني الحكومية والاسكان الاداري قدرت بنحو مئتي مليار جنيه اضافة الى نحو ألف و 500 مليون جنيه انفقت على تطوير هذه المباني خلال السنوات العشر الاخيرة. اذن، قيمة ساعات العمل المهدرة لا تقف في مصر عند المبلغ المذكور فلابد من اضافة كافة تفريعات العملية الحسابية الداخلة في الموازنات العامة للحكومة. فوجود ثلاثة ملايين عاطل عن العمل يعني المزيد من الساعات المهدرة في اماكن لا علاقة لها بالانتاج اساسا وعلاج هذه الظاهرة المتنامية في معظم المجتمعات العربية يضيف على كاهل الحكومات المزيد من الارقام الفلكية لساعات عمل فارغة، من المضمون، فان كانت هذه حالة مصر فماذا نتوقع لو وجدت دراسات فرعية لكل مجتمع عربي على حدة؟ لكانت النتائج تصب في خانة التخلف وبأثر رجعي لا مجال للتكنولوجيا المعاصرة والركض او اللهاث وراءها اذا كانت تمضي وفق نظرية ان الوقت ارخص بضاعة نتاجر بها.