لا شك أن التصريحات الأميركية التي جاءت على لسان الرئيس بوش بضرورة قيام دولة فلسطينية، كتلبية لاستحقاقات عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، بهدف طي خمسة عقود ونيف من الصراع الدامي في المنطقة، أرست حالة من الاستقرار السياسي النسبي عند صانع السياسة العربية، بل أكثر من ذلك فتحت الكثير من الأبواب الموصدة أمام تقدم العملية السياسية المتوقفة منذ ما يقارب عامين من الزمن. لكن بعيداً عن الأحلام الوردية، فقد جاء طرح الدولة الفلسطينية المؤقتة، بقدر ما هو مفاجأة، بقدر ما كان مخيباً للآمال العربية والفلسطينية على حد سواء، خاصة وأن مثل هذه التسميات لا تمتلك على الإطلاق ما يبررها حقوقياً على المستوى القانوني الدولي، فقد سمعنا الكثير عن حكومات مؤقتة لكننا لم نسمع منذ فجر التاريخ عن دول مؤقتة لكن السؤال الأهم، عن ماهية الخلفيات والأهداف التي جاءت بمثل هذا الطرح الغريب ؟ الواقع أن طرح فكرة الإعلان عن قيام دولة فلسطينية مؤقتة، لم تكن كما ظن البعض مجرد فكرة عابرة، أو اجتهاد قانوني لحل المشكلات الدولية العالقة كالمشكلة الفلسطينية، بقدر ما جاءت تحمل الكثير من الأهداف والنوايا والإجراءات المركبة، كركيزة ثابتة لشكل الدولة الفلسطينية القادمة من خلال الرؤية الإسرائيلية - الأميركية أما أهداف طرح مثل هذه الفكرة راهنا، فتتلخص بالتالي: أولاً: دأبت إسرائيل منذ عقد مؤتمر مدريد وما تلاه من اتفاقيات ومواثيق وتعهدات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ، على تجاهل وضع برنامج زمني لتطبيق جملة هذه القرارات والاتفاقيات التي وقعت، وهذا التجاهل جاء نتيجة لخلل حاصل بين إسرائيل الدولة والحكم الذاتي الإداري الأقرب للمنظمة، فلو طرحت دولة فلسطينية كاملة الصلاحيات، بصرف النظر عن المساحة والحدود، فستصبح جملة هذه الاتفاقيات ملزمة للطرفين من وجهة نظر القانون الدولي، وأن الخروج عليها هو خروج على الإرادة الدولية، كما أن أية قضية صراعية أو حتى خلافية ستصبح جزءا من اختصاص المؤسسات الدولية بمعنى أن قضية فلسطين ستخرج من تحت العباءة الأميركية والسيطرة الإسرائيلية إلى الفضاءات الدولية الرحبة التي ستحد من كل هذه التصرفات التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، وأن أية خروقات ستصبح عدواناً على دولة كاملة العضوية في هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، أي على دولة ذات سيادة، وهذا سيلقي على كاهل العالم بالوقوف ضد إسرائيل واتخاذ ذات القرارات التي اتخذت في أكثر من مكان في هذا العالم، الأمر الذي سيزيد من إحراج الصديق الأميركي في حال أدار الظهر لأي من هذه القرارات الدولية. ثانياً: طرح الدولة المؤقتة، يعني منعها بكل تأكيد من طرح دستور خاص بها، وفي حالة بقاء غياب الدستور لحظة الإعلان عن الدولة المؤقتة، فستعطي إسرائيل الحق بديمومة التدخل في الشئون الفلسطينية على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وستبقيها ملحقاً كما الحال بالنسبة للحكم الذاتي الإداري القائم على أرض الواقع هذه الأيام أي أنه في ظل غياب دستور الدولة فستبقى إسرائيل تسيطر سيطرة كلية على الحدود والمعابر والأرض، بما يؤمن لها إنجاز مخططاتها الاستيطانية بشكل كامل، وخلق واقع استيطاني جديد على الأرض - خاصة في القدس الشرقية ومحيطها - يؤدي مع الزمن إلى فرض حالة تهجير مقنعة على كتلة كبيرة من الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية، تحت جملة من الشعارات والذرائع، مثل البحث عن أسواق العمل، والهجرة وما إلى ذلك من هذه المسميات بالإضافة إلى إبقاء السلطة أو الدولة المؤقتة في إطار المشاريع والرؤى الإسرائيلية وحسب؛ هذا الأمر عينه يتوافق مع حل جزئي طويل الأمد كما طرح إسرائيلياً وتم تبنيه من قبل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. ثالثاً: إسرائيل دولة من دون دستور، باعتبارها دولة احتلالية فريدة في هذا العالم، فإذا ما طرحت دولة فلسطينية ذات دستور فسيفرض على إسرائيل ميكانيكياً التفكير بإعلان دستورها، أو على أقل تقدير سيفرض شكل جغرافي محدد بالنسبة لإسرائيل، وبهذا الأمر سيكون قد فرض عليها جزء من هذا الدستور على الأرض ويمنعها من ديمومة عمليات التوسع وهذا الأهم، بالإضافة إلى أنها ستصبح دولة لكل مواطنيها، وهذا أيضاً ما تهربت منه مبكراً، أي منذ اللحظة الأولى للإعلان عن قيامها وحتى هذه اللحظة التي نعيش، بمعنى أن أحلام التهجير والترحيل ستصبح جزءاً من الماضي بالنسبة للعقلية العنصرية المسيطرة في إسرائيل ناهيك عن أن أبواباً كثيرة كانت مغلقة فيما مضى وملفات كانت طي النسيان ستفتح على مصراعيها، أهمها عودة المطالبات بلم الشمل بالنسبة للفلسطينيين، وعودة الأراضي إلى أصحابها وبالتحديد أملاك الغائبين على أساس من القانون الدولي وما إلى ذلك من مجمل القضايا العالقة مثل حق العودة وغيره. لكن المهم إزاء كل هذه الفواجع والمفاجآت غير السارة عربياً، انه بات مطلوباً على المستوى العربي، رسم محددات سياسية لوأد هذه الفكرة وهي في مهدها قبل أن تفرض على الفلسطينيين تحت الضغط وقوة آلة التدمير الإسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة سياسياً ودبلوماسياً، وتتلخص هذه السياسة في دعم الفلسطينيين على إعلان دولتهم من طرف واحد وتبنيها بشكل حقيقي وشجاع عربياً في كل المؤسسات العربية الجامعة، ومن خلال الدول العربية كل على انفراد، وإذا ما حاولت إسرائيل والولايات المتحدة ممارسة ضغطها يجب أن تتلاحق هذه المواقف بمواقف أخرى أقلها تجميد الاتفاقيات مع إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها. دون ذلك ستنجح إدارة الرئيس بوش الابن في تمرير الرؤية الإسرائيلية على العرب لنعود ونقف على الأطلال نندب أيامنا الضائعة، ولن يبقى بيدنا ما نقوله سوى «أكلنا يوم أكل الثور الأبيض». يبقى السؤال: إلى متى سنبقى ننتظر الحلول الجاهزة؟ والى متى سنبقى نعمم أخلاقية وقيم الهزيمة رغم حالة النهوض التي تتحلى بها الأمة رغم الملمات الجسام ؟! ـ كاتب فلسطيني