لا خلاف على أن الدور الاميركي لا يمكن إغفاله عند التعاطي مع مشكلات الشرق الأوسط وفي مقدمتها بالطبع المسألة الفلسطينية، لكن من الملاحظ أن النظام الرسمي العربي يعطي السياسة الاميركية في الشرق الأوسط «حجما» أكبر من الواقع، أو بعبارة أخرى من الواضح أن هناك تعويلا عربيا زائدا على إمكانية قيام الإدارة الاميركية بدور قد يؤدي إلى التوصل لحلول عادلة وشاملة لكل هذه المشكلات، ولاسيما التوصل إلى تسوية تحسم المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية التي احتدمت وتصاعدت خلال العامين الأخيرين إلى حد غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. ويمكن القول إن هناك خمسة محددات يستند إليها النظام الرسمي العربي في «تفاعله» مع السياسة الخارجية الاميركية في الشرق الأوسط، يمكن أن تقود إلى تفسير مدى الاهتمام العربي بالدور الاميركي في أي تسوية سلميه محتملة في الشرق الأوسط، وهو اهتمام تعبر عنه دوائر صنع القرار ولا تكترث به كثيرا الشعوب العربية مما يوضح أن ثمة إشكالية بين قمة وقاعدة الهرم السياسي العربي.. على كل الأحوال قبل أن نبين هذه الإشكالية نعرض في عجالة سريعة للمحددات الخمسة المذكورة : أولا : خصوصية الدور الاميركي الفاعل في النظام العالمي الجديد الذي أصبح دورا مؤثرا في صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بالتفاعلات الدولية والإقليمية مما أعطى لواشنطن ما يمكن تسميته بوظيفة «الكفيل» أو «الوصي» على مجريات الأمور في عالم اليوم حتى ولو لم يكن للولايات المتحدة حق الكفالة أو الوصاية! ثانيا: فقدان القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي لفاعلية آلياتها في معترك السياسة الدولية وعلى وجه الخصوص في منطقة الشرق الأوسط بسبب الهيمنة الاميركية التي جعلت بعض هذه القوى تسير في الركاب الاميركي وجعلت البعض الآخر يلتزم الحياد والبعض الثالث غير مؤثر حتى ولو اتخذ مواقف معارضة نسبيا للمواقف الاميركية. ثالثا : عدم قدرة النظام الجماعي العربي على اتخاذ موقف موحد يعبر عن إرادة مشتركة تمكنه من طرح خيارات عملية تضغط بشكل أو بآخر لإقناع الولايات المتحدة على تغيير أو تحييد مواقفها الداعمه للموقف الصهيوني في الصراع مع العرب. رابعا : فشل الأمم المتحدة باعتبارها التنظيم الدولي الذي يمثل الضمير الجمعي للعالم في حسم كثير من المنازعات الدولية والإقليمية التي تمس المصالح الاميركية وتظل المسألة الفلسطينية مثالا على هذا الإخفاق الذي وقعت فيه الأمم المتحدة بالإضافة إلى الحالة العراقية حيث يبقى تفعيل دور المنظمة الدولية مرتبطا بالتأثير الاميركي الذي جعل من الولايات المتحدة بمثابة الشرطي الأوحد الذي له الرأي الفصل في الشئون الدولية! خامسا : أعطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وخلال أكثر من عشرة أشهر الولايات المتحدة نوعا من المشروعية شبه المبررة للسلوك الاميركي تجاه الغير تحت زعم مكافحة ما يسمى بالإرهاب من خلال شن حملات وقائية ضد الجهات المناوئة للولايات المتحدة سواء كانت هذه الجهات دولا أو تنظيمات أو أفرادا. وفي تقديري أحدث هذا «السلوك» أجواءً ضبابية قادت إلى فهم خاطئ للسياسات الاستقلالية لبعض الدول التي تصنف بأنها خارج الحظيرة الاميركية واعتبرت من وجهة النظر الاميركية سياسات معادية للمصالح العليا للولايات المتحدة، مما أدى إلى رسوخ فكرة «محور الشر» في الإطار المرجعي لصانع القرار السياسي الاميركي! دفعت هذه الاعتبارات أو المحددات الخمسة المراكز المسئولة عن صنع القرار في الوطن العربي إلى التسليم بأنه لا خطوة إلى الأمام على طريق تسوية الصراع في الشرق الأوسط إلا من خلال المنظور الاميركي لهذه التسوية. وفي تصوري أن المبالغة فيما هو منتظر من دور أميركا في إعداد حلول لمشكلاتنا نحن العرب مع إسرائيل لن تقود إلا إلى الوقوع في مزيد من المشكلات، أهمها أن الحلول الاميركية تأتي دائما متوافقة مع وجهة النظر الإسرائيلية بحكم الخبرة التاريخية في العلاقات الاميركية الإسرائيلية، وستأتي أيضا متجاهلة للحقوق العربية حتى ولو زعمت الولايات المتحدة أنها تسعى إلى التسوية، ومن ثم سيدخل الجانب العربي في حلقات مفرغة لا طائل من ورائها سوى كسب الوقت لصالح الجانب الإسرائيلي وبالتالي العودة إلى ما يسمى بنقطة الخيار «صفر»! ومن هنا يجب التريث في اتخاذ قرار بشأن انعقاد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط لأنه قد يدفع بالمنطقة إلى هذا الخيار. ورغم ذلك نؤكد على ضرورة وضع الدور الاميركي في الشرق الأوسط في دائرة اهتمام التفاعلات العربية، ليس لكونه الملاذ الأخير في التوصل إلى حل ولكن لضرورة أن يكون هناك استيعاب عربي لكيفية «تحريك» الموقف الاميركي المؤيد لإسرائيل في اتجاه ـ على الأقل ـ أقرب إلى الحيادية والتزام مبدأ العدالة وتجنب التعامل بسياسة المعايير المزدوجة التي اعتادت الإدارات الاميركية لاسيما الإدارة الحالية عليها في التعامل مع القضايا العربية! فهل يستطيع النظام الرسمي العربي تحريك الموقف الاميركي ؟! نقول «نعم» ولكن بشرط أن يتفهم العرب طبيعة النظام العالمي الحالي الذي لم يعد يعترف بغير الأقوياء سياسيا واقتصاديا. وإذا ظل العرب على ضعفهم فإنهم لن يسيروا إلا إلى سراب في حل مشكلاتهم مع إسرائيل. خاصة وأن التعامل مع طرف قوي يجبر الطرف الآخر على أن يعيد حساباته وفقا لمعادلة القوة بين هذا الطرف أو ذاك. ومن هنا لايمكن أن ننتظر من الولايات المتحدة كثيرا طالما استمر الضعف والتخاذل العربيين على حالهما. بعبارة أخرى على العرب أن يبحثوا عن مواطن قوتهم ونقاط ضعفهم حتى يمكن لهم الانطلاق نحو اتخاذ مواقف شجاعة وحاسمة في مواجهة الصلف الصهيوني والانحياز الاميركي. ونجد أن نقطة البدء في البحث عن الإرادة الجماعية للأمه.. تتحدد من الإجابة على تساؤلات ثلاثة : 1 ـ هل يمكن أن نجدها في مؤسسة القمة التي تنعقد الآن بشكل دوري ؟ 2 ـ أم نجدها في إعادة تفعيل الدور الوظيفي القومي لجامعة الدول العربية باعتبارها التنظيم العربي الإقليمي ؟ 3 ـ أم نجدها في قدرة الشعوب العربية على توجيه مراكز صنع القرار في الاتجاه الصحيح الذي يخدم مصالح الأمة ؟ أعتقد أن التساؤلات الثلاثة مجتمعة تشكل الحل لإشكالية ما يسمى التناقض بين قمة قاعدة الهرم السياسي العربي بعبارة أخرى أن التفاعلات العربية يجب أن تنصب على تجسيد الإرادة الجماعية التي تفتقدها الأمة خاصة بعد أن اثبتت حكومة ارييل شارون أنها غير قادرة على الائتلاف مع أي أطروحات لسلام حقيقي بين العرب وإسرائيل. لاشك أن التفاعلات العربية على المستويين الإقليمي والدولي سوف تساهم في بلورة هذه الإرادة من خلال التحرك في الدوائر والمحافل الدولية في أوروبا وروسيا وآسيا وأفريقيا مما يعني أن مزيدا من الجهد العربي سوف يساعد على خلق مواقف مؤيدة للعرب أو على الأقل محايدة في الصراع مع إسرائيل. أن تمسك العرب بحقوقهم ورفضهم أي تنازل لا يعني معاداة الولايات المتحدة المحكومة بعقدة الإرهاب لأن العرب أول من أعلنوا إدانتهم للإرهاب بكل صوره وتبقى الحقيقة التي تتجاهلها واشنطن أن المسئول الأول عن استفحال ظاهرة الإرهاب في العالم الولايات المتحدة نفسها لأنها ظاهرة جاءت نتاجا للسياسات الاميركية التي تفتقد لمبدأ العدل والإنصاف في التعامل مع غيرها. خلاصة القول.. ان تحريك الركود في الموقف العربي يظل مرتبطا بقدرة التفاعلات العربية على عدم الاستسلام لحلم «الحل الاميركي» المنتظر لمشكلاتنا التي يراها البعض من الأمور المستعصية، أن الارتكان لما تراه الولايات المتحدة رؤية قاصرة لأنها تعمق حالة التواكل العربي بعد أن نعهد بأمورنا لغيرنا وكأن الأمة لم تبلغ مرحلة الرشد بعد ومن هنا يظل أمام العرب خيار وحيد هو التفاعل الإيجابي بين قمة وقاعدة الهرم السياسي للأمة.. التفاعل بين الجماهير العربية ومراكز صنع القرار على المستويين القطري والقومي. وهذا في التحليل الأخير مفتاح التعامل الرشيد مع معطيات السياسة الاميركية في منطقة الشرق الأوسط فهل نسمع وندرك ذلك قبل فوات الآوان؟! ـ كاتب مصري