ربما يكون ارييل شارون بسليقته الوحشية ثوراً داخل مستودع خزف كما يقال، لكن منطقه النظري المستمد من واقع الصراع العربي الاسرائيلي جدير بالتأمل العربي. فقد نتوصل الى استخلاص بأن رؤيتنا النظرية لهذا الصراع ليست ناقصة فحسب بل ايضاً ساذجة. ولذا فإن مسار الصراع سوف يظل على حاله منذ قيام الدولة اليهودية عام 1948 وحتى اليوم لا يفرز الا تفوقاً اسرائيلياً تلو تفوق. ان المنطق النظري لليمين الاسرائيلي «التوراتي» الذي يرمز اليه فكر شارون، ينطلق من قناعة واقعية بأن قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة لها جيشها وسيطرتها على مواردها الاقتصادية وسياستها الخارجية المستقلة لن يشكل خاتمة حاسمة للصراع، فمن المحتم ان هذه الدولة سوف تتحول تلقائياً الى قاعدة راديكالية تستهدف بقاء اسرائيل نفسها بغرض تحرير «فلسطين التاريخية». واذا توخينا الانصاف والامانة والموضوعية فإننا يجب علينا ـ كعرب ومسلمين ـ ان نقر بأن هذا المنطق ليس غير واقعي. ولننظر اولاً في المشهد الراهن. من بين منظمات المقاومة الفلسطينية العديدة نجد ان المنظمتين الاسلاميتين «حماس» و«الجهاد» هما اللتان فقط تلتزمان، وفقاً لميثاق كل منهما، بتحرير ارض «فلسطين التاريخية»، اي انهما ترفضان اي تسوية للصراع على اساس «مبدأ دولتين»، بمعنى استمرار بقاء الدولة اليهودية جنباً الى جنب مع دولة فلسطينية جديدة، لكن ينبغي ان نستذكر ان انخراط منظمات اخرى مع المنظمتين الاسلاميتين في عنفوان النضال المسلح، اخذ يؤدي الى تقارب فكري قد يفرز في نهاية المطاف اجماعاً كاملاً على فكرة عدم شرعية الدولة الاسرائيلية وبالتالي استهدافها اجماعياً بالازالة من على وجه الوجود. ان قناعة اليمين الاسرائيلي تنطلق من هذا الفهم للواقع الذي يمتد نظرياً الى المستقبل. وعلى اساس هذه القناعة بني تنظير مضاد يقوم على «صراع الوجود».. صراع حسابات الحياة او الموت والاجندة الابادية. والسؤال الذي يجب ان يطرح اذن هو: متى يتبلور على الجانب العربي للصراع مفهوم يناظر مفهوم اليمين الاسرائيلي، وبالتالي احداث تغيير انقلابي جذري في الاسلوب العربي لادارة الصراع؟ ان هذا الصراع، في عقيدة شارون وأقطاب اليمين الاسرائيلي غير قابل للتسوية بحال من الاحوال. وكما نرى ميدانياً فإن هذه العقيدة النظرية تحولت الى سياسة ثابتة.. وتحولت السياسة بدورها الى برمجة تطبيقية، بينما لاتزال القيادات العربية ومن بينها القيادة الفلسطينية تتحدث عن «خيار السلام الاستراتيجي». ان ايقاع البرمجة الاسرائيلية الراهنة يتسارع في اتجاه الغاء الوجود البشري الفلسطيني من على أرض الضفة الغربية لنهر الأردن، وبينما يتعاطى القادة العرب مع «خطة تينيت» و «توصيات ميتشيل»، فإن الحكومة الاسرائيلية تواصل طرح المناقصات لتوسيع المستوطنات وإقامة مستوطنات جديدة، مع اعداد خرائط لضم الشريط الطولي لغور الأردن إلى السيادة الاسرائيلية. ولكي يضمن اليمين الاسرائيلي استمرار التأييد الشعبي لهذا البرنامج بجسامة خطورته وطول مداه، فإنه عمد إلى الباس قناعته النظرية رداء دينياً، وتبعاً لذلك لم يعد الصراع صراعاً سياسياً محدوداً بين الفلسطينيين والشعب الاسرائيلي، وإنما بين العرب المسلمين وأمة اليهود قاطبة ـ يستوي في ذلك يهود اسرائيل مع يهود أميركا مع يهود العالم بأسره ـ ولم تعد أرض الضفة موضع «نزاع» بين طرفين، لأنها ملك خالص لليهود بمقتضى «وعد توراتي». وبغض النظر عما إذا كان لجوء شارون إلى البعد «التوراتي» ينبع من اعتقاد ديني صادق أو انه مجرد حيلة فكرية من فنون الترويج السياسي، فإن طرحه للصراع على هذا النحو يتطلب بالضرورة الحتمية طرحاً مناظراً من الجانب العربي، وإلا فإن العرب سوف يبقون على الدوام دون مستوى التحدي المطروح. ان القرآن الكريم يطالب الأمة الاسلامية بمجادلة أهل الكتاب بالحسنى، لكنه في الوقت نفسه يحض المسلمين على عدم الاستسلام للاعتداء. واليمين الاسرائيلي يقوم اليوم بحشد الامة اليهودية في العالم للاعتداء على شعب مسلم واخراجه من أرضه، بل وابادته إذا دعا الأمر. فلنعد إلى القرآن الكريم لنتخذ منه المرجعية الاساسية في ادارة الصراع، وإلا فإن الخطر اليهودي لن يتوقف عند حد القضاء على الشعب الفلسطيني المسلم.