كنا نجلس في أمان الله في مطار «فرانكفورت» على وشك ركوب الطائرة التي ستحملنا الى القاهرة.. لا أحد يرفع صوته.. لا أحد يدخن.. لا أحد يتململ في مقعده.. لا أحد يبحث عن فرصة ليكشف عن شخصيته أو مهنته أو ثروته أو خفة ظله أو ليقول تلك الجملة المصرية الشهيرة المريضة السخيفة: «انت عارف انا مين؟».. فلا يهم هنا من يكون؟.. رجل أعمال يملك نصف الدنيا أو طالب فاشل هارب من التجنيد.. مسئول كبير تقوم الدنيا وتقعد بإشارة منه أو عامل بسيط لا أحد يلتفت اليه.. باحث عبقري توصل للذرة أو تاجر شنطة يتوارى خجلا.. فلا فضل لأحد على أحد في تلك البلاد إلا بقدر احترام القانون. وطلبت المضيفة أن نتجه الى الطائرة.. فوقفنا جميعا في طابور دون أن تشير علينا بذلك.. ووقفنا طابورا من تلقاء انفسنا.. دون أن يفكر أحد في أن يزاحم غيره.. أو يأخذ مكانه.. أو يتجاوزه.. وعلى باب الطائرة أخذ كل منا صحيفته المفضلة وكأنه يقطف زهرة.. وجلس في مكانه دون صخب.. وطوال الرحلة لم تكن تسمع سوى كلمات مصنوعة من خيوط القمر وأوراق الشجر.. «عفوا».. «عذرا».. «شكرا».. طوال الرحلة لم يكن سهلا أن تفرق بين المصريين وغيرهم سوى بالملامح ولون البشرة.. فنحن بعيدا عن الوطن نعرف كيف نعبر عن أنفسنا برقي يثير الذهول والاعجاب.. وكأننا ولدنا في مدرسة لتعليم فنون الذوق الرفيع.. كأننا نحمل بالفعل تاج الحضارة الانسانية واحتفظنا به منذ مئات السنين.. وبجدارة. لكن.. ما ان نهبط مطار القاهرة حتى نصبح لاعبين في سيرك قومي.. نسترد فجأة كل متاعبنا وعقدنا النفسية.. ينتفخ البعض.. وينكمش البعض الآخر.. يتحول البعض الى أسد جسور.. ويتحول البعض الآخر الى فأر مذعور.. يستدر كل منا ملامحه الاجتماعية.. ويكشف عن حجم ثروته المالية.. ويبرز بسهولة أهميته الوظيفية.. ما أن نعود الى أرض الوطن حتى تخرج كل الفوارق الطبقية.. وتسمع من ينادي «فلان بك».. وتجد من يجري أمام «سعادة الباشا».. ويوسع له الطريق.. ويلكز بكتفه من يرفض التمييز ويصر على حقه في المساواة.. وبالطبع لن يقف «البك» أو «الباشا» في طابور الجوازات.. فهناك من يفعل ذلك نيابة عنه.. وليخبط كل من يحترم الطابور أو يقف فيه رأسه في أقرب حائط يجده.. أو يأخذ بعضه ويعود من حيث جاء لو كان يريد المساواة واحترام النظام.. وقد أصبح حجم الاستثناء مذهلا.. فلو كنت تقف في أول طابور الجوازات فإنك لن تصل الى ضابط الجوازات إلا بعد عشرين استثناء على الأقل.. ولو فكرت في أن تطالب بحقك فإنك ستجد من ينظر لك في استغراب ودهشة.. وكأنك هبطت كوكبا آخر غير مصر.. ولو اصريت على تطبيق القانون واحترام النظام فإنك ستدفع الثمن غاليا.. سيتعطل جواز سفرك.. بحجة فحصه.. وستفتح حقائبك بحجة وجود ممنوعات.. ستفتش ذاتيا بحجة الشك في انتمائك لتنظيم القاعدة.. وستجرى كل هذه الاجراءات في اطار قانوني سليم.. كله بالقانون.. فالقانون له أنياب ومخالب اذا أراد. ولابد أن تبتسم مثلي عندما تجد عملاقا تبدو على وجهه أمارات السذاجة وهو يزعق بصوت مرتفع: «السيدة عصمت الدرماللي».. وعندما لا يجد من يجيبه يواجه كل سيدة في طريقه بسؤالها عن «السيدة عصمت الدرماللي».. وفي خمس دقائق يتحول المطار الى مسرح كوميدي.. ويظل كل من فيه يتابعه بشغف لا تحظى به مسرحيات «محمد هنيدي».. وقبل أن تسدل ستار هذا المشهد.. ستكتشف أن «السيدة عصمت الدرماللي» هي رجل مهيب محترم يحمل نفس الاسم الذي يثير اللبس.. ومن شدة حرج الرجل لم يشأن أن يكشف عن نفسه حتى لا يكون موضع سخرية كل من حوله.. ولو كنت ممن لا ينتظرهم أحد مثلي فلابد أن تضع أعصابك في ثلاجة حتى تخرج سليما دون ارتكاب جريمة.. لابد أن تحتمل كل هذه الفوضى.. وكل هذا التمييز العنصري.. في مطار عليه أن يستقبل سياحا من كافة أنحاء الدنيا.. جاءوا ليستمتعوا ويرفهوا عن أنفسهم ويكتشفوا عن قرب سر حضارة بلادنا.. وكأنهم كانوا يتوقعون أن يكون «رمسيس الثاني» أو الملكة «نفرتيتي» في استقبالهم. ونسبة لا بأس بها من هؤلاء السياح كبار في السن يحتاجون الحمام ربما كل ساعة.. ولا أريد أن أصف لك جحيم دخول حمام في مطار القاهرة.. فأنت قطعا مررت بهذه التجربة.. لكنك ربما لم تسأل عن سر تقصير شركة النظافة التي تتولى هذه المهمة والتي ينتظر العاملون فيها البقشيش أكثر من انشغالهم بالنظافة؟.. وربما لم تسأل عن ذلك العامل الذي يقف الى جوارك في تلك اللحظة الخاصة التي تقضي فيها حاجتك وهو يحمل منديلا من ورق وينتظر أن تعطيه ما تجود به نفسك؟.. إن كثيرا مما تعودنا عليه وتآلفنا معه يثير انتباه الغرباء والسياح ويفتح مجال الهجوم علينا بضراوة في صحافة الدنيا المتخصصة في متابعة رفاهية السياح.. وهو ما يجعلني أشفق على وزير السياحة الدكتور ممدوح البلتاجي.. فكل ما يبذله من جهد في التسويق والترويج يمكن أن يضيع في مثل هذا المشهد الذي لا نلتفت اليه. وسأحكي لك عن تجربة أخرى عشتها بنفسي.. تجربة مع سيارات «الليموزين» التي يصطف مندوبوها في مكان خاص في المطار قبل أن تخرج منه.. إن مندوبي شركات «الليموزين» يتنافسون فيما بينهم على الزبون.. وغالبا ما تصل المنافسة الى حد المشاجرة.. وفي هذه الحالة يجد الزبون نفسه حائرا.. مضطربا.. خائفا على ثيابه من البهدلة.. ولأنني لا أفضل أن ينتظرني احد في المطار فقد اخترت شركة خاصة لها اسم رنان.. ولم أعترض على شروطها.. دفعت خمسين جنيها في سيارة مكيفة من المطار الى «مصر الجديدة» وهي مسافة لا تزيد على 5 كيلومترات.. ولا أريد أن أقول لك أنني أدفع ضعف هذا المبلغ في واشنطن في مسافة لا تقل عن 50 كيلو مترا من المطار الى الفندق.. وحملت ايصال الشركة المصرية دون أن أعرف في الحقيقة أنه ليس إيصالا يضمن لك الحصول على سيارة «ليموزين» مكيفة ومريحة حسب الاتفاق وإنما هو مجرد ورقة يانصيب تتيح للفائز وحده ذلك. فقد خرجت أبحث عن مندوب الشركة فلم أجده إلا بعد ربع ساعة بعد أن دفعت بقشيشا لمن دلني عليه.. وما أن أعطيته الايصال حتى بادر بالاعتذار.. فطراز السيارة التي استأجرتها غير متوافر الا بعد ساعتين.. وليس أمامي بديل سوى أن أستسلم لركوب سيارة تاكسي عجوز.. اتفق مع صاحبها من الباطن.. والسيارة مصابة بكل أمراض الصدر والقلب وتصلب الشرايين.. ولا تختلف كثيرا عن سيارات التاكسي التي تنهج في شوارع القاهرة.. والتي لا تفتح أبوابها.. ولا تغلق نوافذها.. ولا تقدر على صعود الكباري وإلا ماتت بالسكتة القلبية أو السكتة الميكانيكية.. وعندما اعترضت وطالبت بفلوسي لم يسمح لي بدخول المطار مرة أخرى.. وعندما قررت أن أسجل اعتراضي في محضر رسمي وجدت عشرات المتطوعين في الخير يحمدون الله على سلامة وصولي.. ويحاولون اقناعي بقبول الأمر الواقع.. فكل ما سأفعله هو تضييع وقت لا طائل منه.. ولا جدوى.. والافضل منه أن أترك العقاب للسماء التي تمهل ولا تهمل.. واعترف بأنهم كانوا على حق.. فقد بقيت خارج المطار نحو 4 ساعات احاول الحصول على حقي ولكنني فشلت.. وعدت الى بيتي وأنا اقسم بأنني لن أستخدم هذا النوع من سيارات الأجرة ولو كانت تنتظرني على باب الطائرة.. وبعد هذه التجربة عرفت لماذا يتصور السياح أننا لا نزال في عصر الجمال ولم نتجاوزه. ورغم أنني لا أحمل عادة سوى حقيبة واحدة تجر بعجل فإنني من باب المساهمة في اعادة توزيع الثروة اتركها لأقرب شخص يتطوع لجرها نيابة عني متصورا بسذاجة تفوق كل ما وصف أنه سيوصلها لك حتى السيارة.. لكنه بعد 25 مترا يتوقف ليطلب اجرته.. وقبل أن تعترض تجد الحقيبة في يد شخص آخر.. وقبل أن تناقشه تجده يقول بصرامة باترة: «أنا حدودي حتى بوابة الخروج».. ليقول لك الشخص الثاني أن حدوده الى أول ساحة الانتظار.. وهكذا تجد الحقيبة نفسها في ماراثون للحمالين لا يقل عددهم عن أربعة.. وكل منهم له الحق في البقشيش والاكرامية حسب تصورك لمفهوم العدالة الاجتماعية.. وحسب ذوقك.. ومكانتك الاجتماعية.. وكأنك لست في مطار دولي وإنما في موقف سيارات أجرة بالنفر الى الأرياف. وقطعا أنت مثلي تعجبت من إصرار السوق الحرة على إهانة العملة الوطنية ورفضها التعامل معها.. إن ذلك لا يحدث في أي سوق حرة في أي مطار في الدنيا كلها.. فالعملة الوطنية مثل الراية الوطنية لابد من احترامها والانحناء لها.. ومنتهى الحزن أن تجد سائحا أجنبيا يمزقها في وجه العاملين في السوق الحرة.. فما داموا قد رفضوها فليس لها قيمة.. ولا فرق بينها وبين منديل كلينكس يمسح به العرق أو يلقيه على البلاط. ويصعب عليك التعامل بكروت الائتمان وأنت تشتري شيئا من السوق الحرة.. فهناك ماكينة واحدة.. في مكان بعيد.. يستغرق الذهاب اليه والعودة منه ربع ساعة على الأقل.. ويمكن بعد هذا الانتظار أن يقولوا لك: الماكينة معطلة.. أو التليفون الموصل للبنك معطل.. والنتيجة معروفة.. أن يلقي المسافر بكل ما اشتراه وينزع كرت الائتمان ويغادر السوق الحرة وهو غاضب.. خاصة وأنه بذل جهدا خارقا ليجد شيئا يشتريه.. فأنت قد تجد سجائر مجهولة مستوردة من اليابان واليونان ولا تجد السجائر الشهيرة التي يدخنها معظم الناس والمستوردة من بريطانيا وأمريكا.. ولو أحسنت الظن بمن فعل ذلك فإنك بالقطع ستقول أنه ضد التدخين ويريد أن يمتنع الناس عنه بطريقة مهذبة.. لكنك سرعان ما ستعود الى سوء الظن عندما تجد ان مساحة السوق الحرة لا تزيد كثيرا على مساحة سوبر ماركت.. وأن ما فيها لا يغري بالشراء.. ولا يتجدد.. وأسعاره مرتفعة بالنسبة للسوق الحرة على متن الطائرات الأجنبية التي تفاجئك بوجود أوكازيون أحيانا. ولا أتصور أنك في حاجة الى أن تعرف أن المسافر يشتري من المطار ما لا يحتاجه احيانا.. ربما كما يقول علماء النفس: إن عقله الباطن يدفعه الى ذلك تعويضا عن شعوره بالخطر من ركوب الطائرات.. أو يدفعه الى ذلك لتأكيد شعوره بالتحرر من كل متاعبه وضغوطه وقيوده التي تنتظره عند العودة الى بلده وأهله.. كما أنه يأخذ قرار الشراء أسرع مما لو كان في سوق طبيعية.. يضاف الى ذلك الغاء الضرائب المحلية.. وقد استغلت شركات المطارات في الدنيا كلها هذه الدوافع النفسية والتجارية وراحت تبهره وتغريه بما لا يمكن تخيله.. ويشعر المسافرون عبر بعض المطارات بالندم احيانا لأن الوقت لا يسمح لهم بالفرجة على السوق الحرة أو الشراء منها.. مثل مطار دبي.. ومطار سنغافورة.. مثلا.. فأنت تقضي هناك ما لا يقل عن ساعتين على الأقل اذا كنت من هواة الشراء على عجل.. أما لو كنت من هواة التأني في الشراء فأغلب الظن أن الطائرة ستفوتك. ولن تصدق أن دولة يصل متوسط الدخل فيها الى نحو 10 آلاف دولار لا تملك من الموارد سوى مطار وميناء وقانون حولها الى منطقة حرة.. لقد كانت سنغافورة ماخورا يستريح فيه جنود البحرية الأمريكية.. ويعيش أهله مخدرين بالأفيون.. وهي بلد لم يكن فيها سوى الرطوبة والحر والفقر والزهق.. لكنها تحولت فجأة الى نمر من النمور الآسيوية بفكرة بسيطة.. بعد أن أصبحت منطقة حرة لتجارة الترانزيت.. وبعد أن أعادت تأهيل شعبها ليكون مهيأ لدوره الجديد في التعامل مع الشعوب والجنسيات المختلفة من خلال مدارس خاصة أطلقوا عليها اسم «مدارس الحياة».. فكان ان تغيرت بصورة مذهلة وبعصا سحرية.. إن الموارد في هذا العصر لم تعد البترول والمعادن وجبال الذهب فقط وإنما الأفكار المبتكرة أيضا.. وربما كان ما في باطن العقل أثمن مما في باطن الأرض.. ولو لم تصدقوا.. ادرسوا بهدوء تجربة اليابان.. إنها دولة بلا موارد.. وتعاني من الزلازل والبراكين والرياح العاصفة المدمرة.. وهي جزر تبدو مثل البواسير على حد وصف أهلها.. وتختنق بالزحام ولا تقدر على التوسع.. لكنها نجحت بالتأمل والتأني في أن تكون واحدة من أغنى الاقتصاديات في العالم.. لقد تمنيت في كثير من الاحيان أن نقيم مزادا علنيا لكل ما حبانا الله به على أن نشتري بالثمن عقلا. وفي كل مطارات الدنيا يدلل ركاب الدرجة الأولى في استراحات خاصة بهم تقدم لهم فيها كل ما يريدون من شراب وطعام وجرائد مجانا.. كما أن لهم حمامات خاصة تعبأ برائحة العطور الفرنسية.. ويمكن أن تجد فيها ما تغسل به الاسنان.. وما تحلق به ذقنك.. أما في مطار القاهرة فاستراحات الدرجة الأولى لا تجد فيها جريدة اليوم.. وإن كنت تجد فيها جريدة عمرها سنة.. فأغلب الظن أنها تتبع دائرة الوثائق المصرية. وفي كل مطارات الدنيا تأخذ الشركة الوطنية للطيران اهتماما أكبر من غيرها إلا في مطار القاهرة.. فالشركات الأجنبية هي وحدها التي تستخدم الصالة الجديدة التي لا تحتاج الى اتوبيسات للوصول الى الطائرات.. وإنما تصل اليها مباشرة عبر تلك الأنابيب الشهيرة.. في كل مطارات الدنيا لا تعامل الشركة الوطنية معاملة البطة السوداء إلا في مصر.. أم الدنيا.. أقدم تاريخ وأضعف ذاكرة.. باختصار.. مطار القاهرة لا يناسب دولة مثل مصر.. عنوان خاطئ عليها.. نحن في حاجة الى مطار جديد.. مدينة للطائرات والمسافرين.. يستمتعون فيها وينفقون على راحتهم دون قلق أو ملل.. دون تمييز أو محسوبية.. يتدرب العاملون فيه على كيفية التعامل مع رواده بذوق ولباقة.. مطار جديد نتلافى فيه عيوب وأخطاء المطارات القديمة.. الصغيرة.. الضيقة.. يقارن بمطار فرانكفورت لا بمطار طشقند.. تأخذ فيه الشركة الوطنية الأولوية والأهمية.. وأتصور أن وزير الطيران الجديد «أحمد شفيق» قادر على ذلك.. لقد حقق معجزة ويمكن أن يحقق أخرى. ـ كاتب مصري