تمثل مشاعر الحب والاهتمام النابعة من الأبوين رصيدا هائلا لاثراء العلاقة العاطفية التي تربطهما بأبنائهما.. في حين يؤدي الافتقار اليها الى احداث فراغ عاطفي في نفوس الابناء يمكن ان يجرهم الى محاولة ملئه بطريقة خاطئة، وبأساليب محفوفة بالمخاطر! فانعدام التوازن لدى الشخصية المحرومة من الحنان الابوي يمكن ان يؤدي الى حدوث اضطراب في سلوكيات هذه الشخصية، خاصة فيما يرتبط بجانب العلاقات الاجتماعية التي تعتبر مرآة عاكسة للحالة النفسية التي عليها الفتى أو الفتاة. العلاقات الاجتماعية لدى اولئك الابناء المحرومين من العاطفة الأبوية تعاني بدورها من ارتباك وضعف شديدين لعل من أهمها وجود صعوبة في التكيف الاجتماعي والانسجام مع المجتمع الخارجي، والبيئة المحيطة، أو حدوث افراط في احدى العلاقات التي تربط مثل هذا الشاب أو الفتاة بأصدقائهما على نحو مرفوض كنوع من التعويض عن الحرمان العاطفي الذي لم يوفق الاباء في تقديمه لهم بالصورة والكيفية الصحيحة، والاسباب كثيرة في ذلك نجتزئ منها اليوم تلك الصورة التي يصر بعض الاباء ان يقدموا من خلالها عواطفهم للابناء. حيث يذهب خيال اولئك الناس الى المدى البعيد فيصور لهم ان ابناءهم لن يصلحهم شيء مثل اشتراطهم عليهم ان يلتزموا بنوع من الاداء المتميز في الجانب الدراسي او الجانب الاجتماعي والعائلي كثمن يستحقون من خلاله ان ينالوا حب أبويهم!! لقد أوقع اولئك المربون انفسهم في مصيدة هذه الفكرة الغريبة دون ان يتأكدوا من صحتها أو جودتها أو قدرتها على احداث الاثر المطلوب. ان الابن لكي يؤدي ما عليه من واجبات يجب ان يأخذ أولا ما له من حقوق، وليس العكس كما يتصور البعض حيث تأتي النتائج بما لم يكن في الحسبان!! فما من أحد يقر ان الطفل الصغير قادر على الالتزام الحرفي بمطالب أبويه. وما من عاقل يقر ايضا ان المراهق لن يخطئ أو يتمرد أو يشاكس!! ان من طبيعة البشر الخطأ والنسيان، وان من طبيعة الصغار ان يقترفوا بعض الاخطاء حيث مازالت خبراتهم بالحياة قاصرة، وما زال الطبع على العناد غلابا وعنيفا!! وما لم يكن هناك صدر مفتوح، وأيد مبسوطة واذن صاغية، فان الابناء لن يستطيعوا وحدهم ان يصححوا خطواتهم أو يتغلبوا على طباعهم التي مازالت بحاجة الى جهد الاباء وصبرهم ودعمهم الكبير والمستمر. المطلوب في هذا الموضوع ان يتعرف الاباء والامهات على أهمية الفصل الكامل بين سلوك الابن وبين شخصه وذاته، وأي خلط في هذا الجانب هو نوع من التخلي عن الواجب الأبوي، والرعاية المطلوبة تجاه الابناء والبنات!! ان النقد الفعال هو الذي يركز على السلوك وليس على الشخصية!! والفرق بين الشيئين يدركه كل اب ومرب وعاقل. حيث يؤدي النقد المباشر والموجه الى كيان الابن او البنت الى حرق المساحة التي يقف عليها جميع افراد العائلة. فمن دون شك ان المساحة التي تفصل بين ذلك الابن او تلك البنت ستحترق او يصيبها الجفاف الشديد بحيث تفترق القلوب تحت سياط الاتهامات وجرح المشاعر وانتقاص الذات وهي اخطر وسيلة يمكن ان يستخدمها الاباء في تربيتهم لابنائهم، فطالما انتقصت الكرامة الانسانية، ووجه الابن بأحكام صارخة بأنه عديم الفائدة او ان الرجاء فيه ضعيف فان الاوراق التي يتعامل بها اولئك الاباء ستسقط لا محالة!! ومن قال ان اهانة الذات الانسانية تعني الاخذ بيديها الى النجاح يكون واهما لا محالة. فبالاحترام لا بالسخرية والتعنيف والزجر تتآلف الارواح، وتتهيئ لقبول النصيحة والتوجيه.