منذ أيام، جاءنا المغني خوسيه فرنانديز قادماً من بقاع الأندلس إلى أرض الماء والرمل والنخيل، فتواجهنا في جلسة لم تدم طويلاً، راح ينصت لأسئلتنا بنظراته الهادئة وسحنته الشرقية ذات الملامح العربية، فيما انتشرت في المكان وجوه منحدرة من قارات وأجناس مختلفة. كان يمكن للجلسة ان تكتسب معنى أكثر عمقاً، لو ان الجمع يعرف بعضاً مما يحمله «الغريب» في ثناياه من شغف بالطرب وتعلق برواد الغناء العربي الاصيل. خوسيه فرنانديز لم أره سابقاً، لكنني كنت اتقصد متابعة اخباره عبر الوسائط الاعلامية، بعدما ادهشني هواه العربي، وغناؤه المشترك مع الفنان الكبير وديع الصافي. وكأني بهذا الفنان الفتي يحمل أصولاً من أجدادنا الذين عاشوا في الأندلس بضع مئات من السنين. أو أنه تنفس هواء ذلك الارث الغالي الذي خلفوه بعد رحيلهم الدرامي عن تلك البلاد. حين قصد خوسيه فرنانديز بيروت قبل سنوات، كتب في مفكرته ارقام هاتف وديع الصافي، كان يعرفه من اغنياته التي صدح بها، يوم وضع اعماله إلى جانب روائع ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ في صدارة مكتبته الموسيقية، ليستمع في كل وقت إلى ما جادت به حناجرهم الذهبية النادرة، مما زاده حباً وتعلقاً واصراراً على اكتشاف المزيد من هذا الكنز الذي لا يقدر بثمن. هذا الاسباني لمن لا يعرفه، ابن عائلة غجرية، تسري الموسيقى في شرايينه متأثراً بالفضاء الفني الذي تعيش اسرته في رحابه. فجده لأبيه شاعر ومغنى فلامنغو شهير، وكان طبيعياً ان يترك الجد اثره الجلي في الحفيد، الذي راح منذ طفولته يشق عباب البحر الواسع للموسيقى، ويغوص عميقاً في ابداعات الشعوب، وكان لافتاً ان تتصدر الموسيقى العربية سلم اهتماماته. تقصدت ان اكون حاضراً في تلك الجلسة، رغم ادراكي المسبق بما سيكون عليه الحال. كان فيها الينا نحن نفر من الصحفيين واليه، بعض الفضوليين الذين لم يعرفوا عن هذا المغني ذي الابتسامة الرصينة المتسمة بالفطنة سوى اغنيات يرقصون على ايقاعاتها، وما بذلوا أدنى عناء ليكتشفوا وجهه الآخر الذي يفيض بنضوج لافت قلما نجده لدى فنانينا المنتشرين في مشرق العرب ومغربهم. سألناه عن سر تعلقه بالطرب العربي بكل ما تعنيه الكلمة، فاجابنا: تلك وصية جدي وأبي. ولفتنا تجاهله فناني الموجة الشبابية الذين «يتسيدون» مساحات البث الاذاعي والفضائي من دون اية معايير وضوابط! أو ليس في الامر ما يدعو للدهشة؟! انه كذلك.. لكن ثمة سؤال يتوجب على كل منا طرحه حول اهتمام هذا الغجري القادم من الريف الاسباني بتراثنا الغنائي العربي واعادة غنائه، فيما كمْ من المغنين في اقطارنا ينأون عن كل ما يمت إلى تراثهم وموسيقاهم متخذين من التقليد والتكرار والاقتباس والسرقة شعارات للمرحلة الفنية السائدة!! أرى هذا الاندلسي في ديارنا يطرق بقوة على جدار النسيان، لعل هذا الرهط من ممتهني الغناء يصحون ويتعبون ويبذلون من العرق والالم لينتجوا فناً حقيقياً. فالمسألة ليست سباق اغنيات واشرطة متراكمة في مكتبات الموسيقى وحفلات في المطاعم وملاهي الليل. القصة اكبر وذات مغزى ودلالات. فالحفاظ على التراث الغنائي صون للتاريخ والثقافة، وهو ديْنُ قائم على الأجيال الحاضرة والآتية. بصوته الجارح وبحْته الحنونة غنى خوسيه فرنانديز في الجلسة «أول مرة تحب يا قلبي» للعندليب الراحل عبدالحليم حافظ، فتأثرت كثيراً لوفاء هذا الغريب ومحبته لفننا. ربما يسمع احدهم هذا الكلام.. وربما لا. لكن لنذكْر.. لعلها تنفع الذكرى.