تظل الوظيفة حلماً يراود الانسان، وبداية اولى نحو تكوين مستقبله المهني، ولأن الاحلام مشروعة ومتناثرة هنا وهناك يحلم الخريجون بوظائف عامرة سمينة، في ظل الانفتاح والعولمة والتواصل الحضاري، الا ان بعض الاحلام او لنقل كل الاحلام تصطدم بصخرة الواقع فتتناثر باتساع الحلم او باتساع الواقع المعاش. قبل ثمانية عشر عاماً دخلت في تجربة البحث عن وظيفة، وخرجت منها بعدة صدمات ودروس عملية، ومنها ان الشهادة الجامعية وحدها لا تؤدي إلى الوظيفة، وان الواسطة او المعرفة الشخصية تختصر على المتقدم نصف الطريق ان لم يكن كله، وانه كلما كنت وسيماً وانيقاً كلما اقتربت منك الوظيفة، ولأنني لا أملك جميع تلك المقومات سقطت في اول امتحان لي، لكني لم اتأبط ورقة اليأس وطرقت ابواباً كثيرة حتى وجدت الفرصة لخوض غمار الحياة العملية من اوسع ابوابها، ولو كنت اعلم ان للحياة العملية وللوظيفة مفاتيح لما خسرت الوقت والجهد في طرق ابواب ومنافذ مسدودة وخاسرة. مشكلتي كانت هي مشكلة اغلب الخريجين الذين لا يعرفون من أين، وكيف، ومتى يبدأون، وإلى أين يتجهون؟ وهي مشكلة قائمة ومتواصلة وستظل ان لم تجد وعاء يحتويها، فرغم توافر فرص العمل في الدولة، ورغم الاعلانات المتلاحقة التي تنشرها المؤسسات والدوائر العامة والخاصة الا ان هناك مشكلة قائمة، فالمقابلات الشخصية دائماً ما تحدد الاصلح والافضل للوظيفة المطروحة، وهذا عرف قائم، ان لم يكن وسيلة ادارية فاعلة للمفاضلة بين المتقدمين. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا تم اختيار الشخص الفلاني للوظيفة ولم يتم اختيار الآخر رغم افضلية الشخص المرفوض للوظيفة؟ هذا السؤال الواضح الذي لا يحتمل تفسيراً آخر دائماً ما يتكرر بعد المقابلات الوظيفية، وهو يعطي انطباعاً على عدم الرضا لما اسفرت عنه نتيجة المقابلة، لأنها ربما ظلمت المتقدم الآخر. الكثيرون يعتقدون ان هناك اموراً خفية ربما ساهمت في الاختيار كالواسطة والتوصية وتلكم وسائل تؤثر كثيراً في الاختيار، ومثل هذا الاعتقاد الدائم والمترسخ في الذهنية العربية، كان متواجداً كذلك في العقلية الاجنبية حيث مر الكثيرون عبر هذه التجربة، ومازالوا كذلك. وحتى يتغلب المتقدمون للوظيفة على ظنونهم، بدأت الدول الاوروبية وكثير من الولايات في اميركا بتأسيس شركات خاصة تقدم النصح للمتقدمين للوظائف العامة والخاصة، حيث ينطلق المتقدم للوظيفة من عتبة النصائح التي يقدمها له مختصون إلى الحياة العملية بخطوات واثقة، فقد لا يحصل مطلقاً على فرصة ثانية لترك انطباع اولي طيب عن نفسه. وتقدم تلك الشركات وصفة النجاح السحرية للمتقدم وفق عقد يتنازل بموجبه عن راتب شهر لصالحها مقابل وصفة النجاح. عن تلك الوصفة السحرية والوصايا المثيرة تقول الدكتورة ديانا بول من الجمعية الاميركية لسماع لغة الحديث في واشنطن ان لغة الجسم السليمة هي التي تحدد للمرء مرحلة الفوز بالوظيفة، لانها توضح ما اذا كان المتقدم للوظيفة واثقاً ومستعداً لتولي المهمة حتى قبل ان ينطق بها او يهمس. وتطلب الدكتورة ديان من المتقدم للوظيفة ان يتمرن على القاء التحية امام المرآة او مع الاصدقاء ويطلب منهم تقويمه حتى يتمكن من عمل التعديلات اللازمة قبل المقابلة. وتوصي الباحثين عن الوظائف بدراسة موضوعات الجهة المراد التقدم لها، فإذا كانت شركة فيجب عليهم دراسة موضوعاتها وموقعها على الانترنت مع ضرورة قراءة موادها الترويجية، واتباع التعليمات بدقة قبل استكمال نموذج طلب تقديم الوظيفة. وتنصح الدكتورة ديان مقدمي طلبات التوظيف بارتداء افضل ملابسهم مع العناية باتباع الوصايا العشر التالية: ـ البدء في الحديث بثقة تعكس صورة ايجابية عن المتحدث مع تلافي الوقوف بترهل، ويجب الابتسام مع اظهار الاهتمام بالشخص الذي يقوم بالمقابلة. ـ يجب ان تكون النظرات على نحو يجعل صاحب العمل مرتاحاً مع عدم النظر إلى الأسفل. ـ يجب مصافحة القائم على المقابلة الشخصية بحرارة قبل المقابلة وبعدها. ـ الابقاء على ايماءات وحركات اليدين في أدنى حد ممكن. ـ يجب على المتقدم ان يعطي انطباعاً بأن لديه مهارات استماع جيدة، مع الانحناء للامام قليلا والايماء بالرأس لتأكيد ملاحظات الشخص الذي يتولى اجراء المقابلة. ـ تفادي الشكوى من آخر وظيفة قمت بها مع التركيز على ما يمكن ان تفعله للجهة التي تقدمت بطلب للعمل بها. ـ التحدث بوضوح وبوتيرة غير متسرعة، مع التفكير في الاجوبة التي ستذكرها. ـ توجيه اسئلة تتعلق بالدائرة او الشركة او المؤسسة التي تطلب وظيفتها مع تحضير مثل هذه الاسئلة مسبقاً. ـ تفادي العبارات العامية وكافة الكلمات ذات المستوى المتدني. ـ ترك الاسئلة المتعلقة بالراتب والمزايا الشخصية حتى نهاية المقابلة، مع كتابة مذكرة شكر بعد انتهاء المقابلة. هذه الوصايا التي تتفاوت بين شركة واخرى ساعدت كثيراً في جعل لغة التواصل بين الباحث عن الوظيفة ومقدمها سهلة ودقيقة، واعود من حيث بدأت واقول لو انني كنت اعرف نصف هذه الوصايا لما احتجت او احتاج غيري لفرصة ثانية او ثالثة كي يحظى بالوظيفة!