منذ أيام نشرت «البيان ـ 2» صورة زوج نكدي يلوح بيده في عصبية في وجه زوجته، ومع الصورة خبر عن بحث يقوم به استاذ علم النفس في إحدى الجامعات الاميركية اسمه الدكتور زالد على مخ الانسان. وبعد دراسة 89 حالة توصل الى وجود جزء صغير جداً في المخ يتحكم في ميل الانسان الى القلق والغضب والتنكيد على من حوله من الازواج والزوجات والعيال والصحاب. وقد اختار الزميل محرر الخبر عنواناً يلتمس العذر للاشخاص النكديين لان امخاخهم مصممة لكي يكونوا كذلك، لان الباحث لاحظ ان ذلك الجزء الصغير هو المسئول عن المزاج وهو ينشط بكثرة في حالات التوتر والقلق والنكد. ولم يكتف الباحث بهذا بل اجرى عدة ابحاث على اشخاص يعانون من تلف ذلك الجزء الصغير من المخ ففقدوا قدرتهم على الشعور بالقلق او التوتر او نوبات تعكر المزاج. والمهم في رأيي ان نتنبه الى ان ذلك العالم اجرى بحوثه في مجتمع غير مجتمعاتنا العربية وبالتالي يمكن ان نستنتج ان اسباب تعكر مزاج الذين خضعوا لدراسته تختلف كثيراً جداً عن اسباب تعكر مزاجنا العربي. وفي اعتقادي انه لو تلفت جميع الاجزاء الصغيرة في امخاخ المواطنين العرب فان اسباب القلق والنكد لدينا كفيلة باختراق بقية اجزاء المخ السليمة، فالمواطن العربي ـ ولله الحمد ـ يتجرع كل لحظة من الليل والنهار جرعات هائلة من منشطات النكد في مخه المسكين، فهو ان نجا «او نجت» من النكد مع زوجته «أو زوجها» او احد من الاولاد او نكد الجيران او امتحانات العيال، فلن يفلت احدهما من انواع اخرى تصدم عينه منذ اول لحظة يطالع فيها عناوين الصحف اليومية. وتكفي نظرة واحدة على تهديدات ومذابح السفاح شارون وتصريحات فتوة العالم بوش وخيبات امله التي لا يتعب من تكرارها الممل، والمجتمع الدولي الذي يغط في نوم عميق، والانبطاح العربي المحزن. فاذا انقضى جزء من نهار المواطن العربي المسكين وراودته نفسه ان يسترخي قليلاً في المساء وان يمد يده لكي يفتح جهاز التلفزيون، هاجمته على الفور وجوه كالحة لبعض المنادين بالتطبيع مع العدو الصهيوني وبعض المسئولين الصهاينة الذين يحلو لبعض الفضائيات العربية ان تنكد علينا بأصحاب تلك الوجوه، فاذا خلص المواطن منها وقرر الانتقال الى بعض المحطات العربية الاخرى تناوشته تصريحات كبار المسئولين لتستخف بعقله وتطمئنه ان كل شيء «عال العال» فالامن مستتب والديمقراطية منتعشة، والاقتصاد بألف خير، والادوية متوفرة برخص التراب، والغذاء والكساء يملآن الاسواق، ولصوص القروض بالمليارات مازالوا هاربين بعيداً عنا، وجرائم الرشوة والفساد منتعشة والحمد لله... ولم لا؟ فنحن لسنا جميعاً ملائكة وهذه الجرائم والمفاسد موجودة في كل مكان.. «اشمعنا احنا يعني؟!» لذلك اتوجه ـ باسم كل مواطن عربي مطحون ـ الى الدكتور زالد إياه راجياً ان يقبل دعوتنا له لكي يعيش بيننا في اي مكان يختاره من وطننا العربي العزيز بشرط ان يحضر اجهزته معه ليضع فيها امخاخنا المتعبة لعله يكتشف فيها جزءا مخبوءا يساعدنا على «الصمود والتصدي». واعتقد انه سوف يشكرني كثيرا لانه سيكتشف فيها العجب العجاب الذي سوف يقلب نظرياته رأسا على عقب، ولعله يشجعنا على إتلاف المزيد من اجزاء مخنا حماية لنا من النكد اليومي الذي نعيشه.