يبقى التراث الشعبي لكل امة وعاءها الذي يحمل مكونات وعيها التاريخي من فكر وفلسفة وادب وفنون، وهو ايضا هويتها ووجدانها وبالتالي فهو من سمات شخصيتها، والاغنية من مفردات هذا التراث، وحينما تغني الشعوب فانها تحمل في ذلك الغناء فكرها ومنطقها وذوقها وتكشف من خلاله ثقافتها وخطابها لذاتها وللاخر. ولا يختلف اثنان على ان الاغاني التي يهزمنا بها المطربون والمطربات بالصوت والصورة اليوم ما عادت بذلك المستوى من الفكر والذوق التي تمتعت به اغاني زمان، فالاغنية اليوم تحولت عن غرضها الرئيسي، وصارت تجارتها تتطلب مستقبلات مختلفة غير الفكر والذوق، كما ان استخداماتها والحاجة لها اختلفت كذلك، فبينما غنى جيل المطربين الاوائل من اجل الشعر الاصيل والكلمة النادرة الرزينة، ومن اجل اللحن المحترم عالي «السلطنة»، المركب من مقامات صعبة، يغني مطربو اليوم من اجل الموديل المصاحب والمانيكان المصاحبة، واشياء كثيرة لا يليق بالزاوية ذكرها ولا بقانون النشر والمطبوعات اعلانها لانها تصل في احيان كثيرة الى الدرجات السفلى من الانحطاط. بالامس اعلن عن خبر وفاة المطرب محرم فؤاد وهو احد العلامات البارزة في جيل من رواد الاغنية العربية الاصيلة ومن جيل انتج الاغنية التي استهدفت مناحي كثيرة ومتعددة في حياتنا، من جيل غنى في الحرب والحب والسلام، غنى للارض، للقضية، للقيمة الشعرية العالية، غنى باخلاص كبير راكلا كل المواصفات التي تطلبتها تجارة الاغنية. محرم فؤاد وغيره من الرعيل الاول الذي رحل لم يمتد اثره فقط في محيط وطنه، لكن الاغنية الرزينة الرصينة، الحاملة لاصالة موروثها وجذورها ترحل مع الاثير في كل مكان. ولهذا كان في جيلنا على الاقل من جمع سمعه بين محرم فؤاد ومحمد بن فارس وضاحي بن وليد وعوض الدوخي وعلي بن روغة واسمهان وام كلثوم وكيني روجرز الذي غنى اغاني الريف الاميركي فانتقل الى اسماعنا عابرا حواجز الادلجة لانها فقط تميزت بذلك النقاء البسيط، من الانسان الى الانسان. اليوم يجلد كل المطربين اسمعانا بالتافه من الشعر واللحن والفكر والذوق، وتتحول كل هذه الصفاقة الى تجارة رائجة ومربحة ايضا، واذا كنا في طفولتنا قد كان حظنا ان نستمع لاولئك الاوائل المخلصين الذين احترموا انفسهم واحترمونا، فان اطفالنا ترتكب في حقهم جرائم بشعة مصدرها كل الذين يزعقون امام الميكروفونات تحت اسم الغناء العربي والاغنية العربية. في لقاء قديم قال الراحل محرم فؤاد انه يهاجم الجريمة التي ترتكب اليوم في حق الاغنية العربية «ايام زمان لن تعود فالمناخ الفني اختلطت اوراقه كان هناك مطربون يتميزون بالموهبة والثقافة ويقف خلفهم ملحنون اصحاب مقام رفيع، اما اغنية اليوم فهي شطارة وفهلوة هدفها تخريب اذواق الناس»!!