هو اكثر الذين كتب عنهم مارسيل كوربر شوك في «البدوي الاخير»، اكثر الذين تأثر بهم، واكثر الذين احبهم وصادقهم في هذه الصحراء. لقد طبع له ديوانا كاملا يحمل اشعاره وحكاياته وصوره. «الدندان» هذا واحد من كبار الشعراء هناك في صحراء السعودية، كما يصفه، عاش اعزب بلا اطفال، فقيرا لا يملك سوى جماله الاربعة والعشرين وسمعته الشعرية. الا ان هذه الجمال عندما كسد سوقها اصبحت عبئا عليه وجلبت له مزيدا من الفقر ومزيدا من الحاجة. يحكي شوك في كتابه، حياة هذا الشاعر الكبير وقصائده النارية التي اججت واثارت مشاعر قبيلته «الدواسر» في ازمنة مختلفة، عندما كانت الحروب بين القبائل لا تهدأ وتثور لأصغر المسببات. ويحكي ايضا عن حال الدندان بعد ان تغير الزمن، سكن غبار الغزوات واستقرت السيوف في اغمادها، ورضخت القبائل لقانون السلطة ونظام الدولة. حياته عندما التقاه شوك كانت مجرد بقايا بريق ومجداً آفل يتجدد بعضه عند اهل قبيلته الذين يسكنون قربه والذين يلذ لهم في بعض الليالي ان يسمعوا شيئا من تلك الملاحم، وذلك التاريخ الذي رحل، يسمعون القصائد من صاحبها، شاعرهم الاول، فيشعر هو الدندان، انه مازال نجما ومازالت له مكانة، ذلك فقط في بعض الليالي عندما يستحضرون الشعر وذكريات الايام الخوالي، او عندما يحل عليهم ضيف من خارج الديار او من بقية القبائل، فإنهم يبحثون عنه أين هو الدندان، يريدونه لحظتها يفاخرون به، اما عدا ذلك فهو واحد من افقر الساكنين هناك، لا يجد اهتماما، ولا يجد قوتا لنوقه التي تتكاثر ولا يهون عليه ان يبيعها برخص، فهي عشقه وغرامه وكل حياته. من الطرائف المضحكة التي يسردها شوك في كتابه، وصفه لسيارة الدندان، هذا البدوي الشايب الذي غلبته الحاجة، فاضطر ان يتعلم السواقة ويشتري سيارة، فكيف سيكون حاله وحال هذه السيارة في حياة الصحراء: «في اليوم التالي طلب مني الدندان ان افحص سيارته، محركها لا يريد ان يشتغل، فتحت الباب، والقيت نظرة على الداخل. غطاء المقعد ممزق، وعلى الارضية اكياس من النعناع والشاي وقارورة مطروحة يتسرب منها سائل لزج اسود اللون، وقطع من الالبسة وفراء شتائي قذر، تلك هي ممتلكات الدندان. وتحت غطاء المحرك كتلة من الرمل معجونة بالزيت، بالكاد يمكن ان يعرف المرء انها محرك السيارة، كانت البطارية ميتة، وقضيب العمق لقياس الزيت كان جافا تماما باستثناء كتلة من الزفت عالقة في نهايته. شرحت ان عليه ان يبدل الزيت بعد كل الفي كيلو متر على اقل تقدير. سأل: وكيف اعرف ما هو الف كيلو متر؟ بالنظر إلى عداد الكيلو مترات قلت، ثم ادركت في اللحظة نفسها عبث هذه الملاحظة، لم تكن هناك اجهزة قياس مرئية تحت اللوحة المضغطة لأجهزة القياس»! حكاية الدندان مع سيارته عندما تقرأها في «البدوي الاخير» تستحضر شوابا كثرا يشابهونه في مسلكه، انهم من زمن آخر، وهم في عصر مختلف، فرض عليهم ان يتعاملوا مع هذه الآلة العجيبة، فرضخوا له ولكن حسب فهمهم وتركيبتهم. يكمل شوك وصفه للدندان وسيارته في صفحات اخرى من الكتاب «كنت اسير مفرقعا بسرعة 70 كيلو مترا في الساعة في سيارة الامارة البيك اب المستهلكة من طراز هيلاكس، خارج المنطقة المبنية مباشرة، حيث تعين علي فجأة ان ابطيء السرعة لأن سيارة من طراز سيارتي نفسه ومتضعضعة اكثر كانت تنحدر على الطريق نافثة سحب دخان سوداء، وبالرغم ان السيارة كانت تزحف بسرعة لا تزيد على 40 كيلو مترا في الساعة فإنها كانت تتأرجح بحدة بين الجانب الشمالي من الطريق وحافته وكأن سائقا مخموراً بشدة وراء المقود، قمت بمناورة لتجاوزها ونظرت إلى جانبي فرأيت رأس الدندان الوقور بشيخوخته هادئا غير مبال فوق المقود. توقفت عند الحافة ونزلت، ثم اشرت له ان يتوقف. ادخلت رأسي في النافذة وسألت: لماذا لا تأخذ سيارتك الكراج انها تحرق الزيت، الا ترى الدخان؟ اجاب: ايه ليس لدي الا القليل من المال.. دعها تدخن»! القصائد التي جمعها شوك من الدندان، معظمها في الفخر والهجاء، وقليل منها كان في الغزل، هذه واحدة من حكاياته، من قصائده، يقول الشاعر «ذهبت إلى الحج، إلى مكة وكنت اهم بدخول بوابة الحرم المكي مع الحشد حيث نادت علي امرأة، طلبت مني ان آتي واجلس بجانبها ولكن قصدها كان شريفا، فقلت: حسبي على اللي دعاني لين نابيته بين العمد والمقام وبين الاركاني فو الله لا رحت ادور ولا جيته واغضيت ماني بشوفه كان واغواني مدها لهم لاسقاه الوبل مريته متشالي لين جيته والبلاجاني ياما بقلبي عليهم مار كنيته من ذلتي يفتري به كل مظاني لولا المزا كان حمل الثوب شقيته وامشي مع اللي يبون الستر عرياني ما عاد في العمر مسيار على بيته ومشاهده دام موت الناس ماجاني يصف شوك الموقف بعد الالقاء: «اختتم الشاعر القاءه قائلاً : وسلامتكم». صاح احد الضيوف «هاي، الدندان، ليس هذا كل شيء. هناك بيت آخر» قال الدندان مراوغاً «كلا ليس هناك شيء آخر». بلى، هناك، هيا لنسمعها. «نسيت» زعم الشاعر، واخيرا رضخ الدندان للضغط، والقى البيت المفقود مقهقها، مكركرا: يا ليتني يوم جيته كان حبيته حطيت شقر الجدايل فوق ذرعاني