الى متى تستمر حالة خداع الذات العربية؟ فإن نتظاهر بأننا نحقق انتصارات على جبهة الصراع مع اسرائيل بينما تلحق بنا الضربات والهزائم لن يغير من الحقائق شيئاً، وان نتظاهر بأن الشعارات والصراخ يعوضان عن العمل والعلم لن يغير من الامر شيئاً، وان نرفض اتفاقات ثم نقبلها ثم نرفضها، دون اي اعتبار للمبادئ من جهة ودون ادنى اعتبار للمجتمعات وقدراتها وامكانياتها وظروفها وتعليمها ولقمة عيشها هو الاخر لن يغير من الوضع شيئاً. ان نتظاهر بأن قوانين المجتمعات الاخرى لا تنطبق علينا، وانه بامكاننا ان نصنع عشرات الاخطاء ونضيع الفرص في السياسة وفي الاقتصاد، في العلم وفي الادارة وفي «النضال»، ثم نتوقع نصراً يأتي الينا من مكان غير معلوم فيه الكثير من التبسيط. وأن نتظاهر بأن الصوت العربي يجب ان يسمع في كل بقاع الارض لأنه صوت حق، دون ان نقوي هذا الصوت بقوة الحجة ومنطق المجادلة يدفعنا للخلف عوضاً من دفعنا الى الامام. ان نعيش حالة لوم نوزعها على دول وشعوب العالم الغربي والشرقي دون ان نتتبه بأنه من طبائع الدنيا سعى منافسينا لاستغلال تراجعنا هو الاخر لا يقدّم من اوضاعنا. السؤال اليوم وقبل كل يوم: لقد تركنا المشكلات السياسية تتعمق في مجتمعاتنا، واصبحنا عرضة لاتفه واصغر النزاعات في بلادنا، اذ مازلنا القارة الوحيدة التي يسيطر عليها منطق الشعارات الكبيرة وصناعة الكلمات الصاخبة، وسط قلة في الانتاج وتراجع في التنمية وشح في مصادر الدعم والتمويل والاستثمار. ومازلنا القارة الوحيدة التي قلما تتعامل مع الحقوق وتسجن مفكراً على كتاب وتمنع المعارضة من التعبير، وتتعسف في الحد من الحريات الصحفية. ان خداع النفس الذي مارسناه على مدى عقود القرن العشرين يجب ان يتوقف. فمعرفة النفس شرط من شروط التقدم، ومعرفة الذات شرط من شروط اصلاحها وتطويرها وتحسين قدراتها ورفع كفاءتها، بل معرفة قدراتنا وطرق خلاصنا من القيود التي نعيشها في الداخل والخارج هي ضرورة من ضرورات المستقبل. فالتعرف على المعوقات والمصاعب قد تدفعنا لتفادي الاخطاء القاتلة وتفادي ما يوقعنا في مأزق. ان الامة التي لا تعرف نفسها تقود ابناءها نحو التهلكة، والامة التي لا تغير حالها تقود شعوبها نحو العبودية، حتى لو كان مقصدها عكس ذلك كلية. ان خداع النفس عرفناه عام 1948 عندما وقعت الهزيمة المفاجئة في فلسطين، وخداع النفس عرفناه عام 67 عندما وقعت هزيمة اخرى في ساعات، وعرفناه عندما سقطت الوحدة السورية المصرية قبل ذلك ليتبخر سراب الوحدة لزمن طويل، وعرفناه ايضاً عندما دخلت اسرائيل بيروت عام 82 وعندما وقعت اتفاقية كامب ديفيد، وهو نفسه عرفناه عندما وقعت الحرب العراقية الايرانية بين جارين مسلمين، ثم عندما وقعت احداث الغزو العراقي عام 1990، وهو ذات الخداع الذي نعيشه في هذه المرحلة الصعبة من تاريخنا العربي. خداع النفس يؤدي للمفاجآت السريعة والآلام المفاجئة لانه يقوم على العيش في عالم من صنع خيالنا لا من صنع الواقع ومتطلباته، ولهذا بالتحديد تبرز التنازلات السريعة وتتبدل المواقف بأسرع من تبدل الليل مع النهار. ان وقف التراجع يتطلب اصلاحاً عميقاً في الحالة العربية وسعياً جديداً نحو آفاق لم نطرقها في السابق. ـ استاذ قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت