ينظر البعض إلى المشكلة الفلسطينية على أنها تعد من المشاكل القديمة التي فشلت الأمم المتحدة بمختلف لجانها وقراراتها في حلها، إلا أن حداثة قيام «الدولة الصهيونية» عام 1948 تجعل من مشكلة جبل طارق الواقعة في جنوب إسبانيا والتي تسيطر عليها بريطانيا منذ عام 1704، إضافة إلى مدينتي سبتة ومليلة الواقعتين في شمال المغرب وتخضعان للسيطرة الإسبانية، من أقدم مشاكل الاستعمار القديم التي صدرت بشأنها قرارات دولية من خلال لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة، إلا أن العمل على التوصل إلى حل لهاتين المشكلتين يخضع لمؤثرات تختلف عن المشكلة الفلسطينية. في الحالة الفلسطينية هناك شعب يناضل بكل الطرق بما فيها النضال المسلح من أجل تحرير أرضه وإقامة دولته المستقلة في مواجهة «دولة مصطنعة» قامت بقرار من الأمم المتحدة وتملك جيشا مسلحا تسليحا متقدما وتعتمد على دول كبرى كالولايات المتحدة تمدها بكل ما تحتاجه بدءا من الزبدة ورغيف الخبز وحتى الطائرات والصواريخ، حتى أصبح بعض المحللين يصف إسرائيل بأنها ليست دولة، بل «حاملة طائرات» أميركية ثابتة أو قاعدة عسكرية أميركية متقدمة. وبالنسبة لسكان مدينتي سبتة ومليلة فإنهما أقرب إلى حاميتين عسكريتين إسبانيتين تقعان بشمال المغرب، يشكل المغاربة أو السكان ذوي الأصول المغربية الجانب الأكبر من سكانهما إذا استبعدنا الإسبان العاملين الرسميين بالمدينتين. أما بالنسبة لجبل طارق فإن سكانها ليسوا سوى مجموعات «عرقية» مختلفة تكاد تشكل مجتمعا يمثل جميع «دول الكومنويلث» التي كانت تحت السيطرة البريطانية خلال فترة الاستعمار: هنود، وباكستانيون، وعرب من شمال المغرب العربي، وبريطانيون، وإسبان أيضا، يعتمدون في كسب عيشهم على التجارة وحركة رؤوس الأموال كنشاط رئيسي باعتبار المستعمرة منطقة حرة وإحدى الجنان التي تهرع إليها رؤوس الأموال هربا من الضرائب، ويعيشون في منطقة محدودة جدا من الأرض. دبلوماسية التأجيل من هنا يصبح أي من جبل طارق أو سبتة ومليلة مجرد «جزر» معزولة لا يمكنها الاعتماد على نفسها بخلاف فلسطين التي تملك كل مكونات الدولة الطبيعية، من هنا فان استعمار جبل طارق وسبتة ومليلة، يعني بالضرورة ضمهم إلى الوطن الأم: إسبانيا في حالة جبل طارق، والمملكة المغربية في حالة سبتة ومليلة. ربما لهذا السبب فإن محاولة لاستعادة أي من تلك المناطق من جانب البلاد التي ترى لها الحق في إعادتها إليها تعتمد بشكل أساسي على الدبلوماسية، بل أن كثيرا من الدبلوماسية لحل هاتين المشكلتين كانت تعتمد بشكل أساسي على مدى متانة أو ضعف العلاقة بين المطالبين بإنهاء حالة الاستعمار لتلك المناطق. أما بالنسبة لجبل طارق فإن الحكومات الإسبانية المتعاقبة التي حكمت البلاد على امتداد السنوات التي أعقبت صدور قرار لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة كانت تتحرك دبلوماسيا، أو تتخذ خطوات لإبراز المشكلة طبقا لغايات ربما لا تكون استعادة المنطقة المستعمرة هدفها. حدث هذا خلال حكم الجنرال فرانكو الذي سيطر على حكم إسبانيا طوال أربعين عاما عقب سقوط الجمهورية الإسبانية الثانية التي تمرد عليها، كان يحرك قضية تحرير «صخرة جبل طارق» كلما واجه مشاكل داخلية، باعتبار أن تحرير الأرض واجب وطني يجب أن يسبق أي مطالب شعبية أخرى! وبرحيل الجنرال عام 1975 وتوجه إسبانيا نحو الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، كان محتما انضمامها لحلف الأطلسى باعتباره مطلبا أساسيا واجبا على كل دولة تريد أن تنتمي إلى «أوروبا الغربية الديمقراطية»، من هنا كان من المتوقع أن يكون حل مشكلة جبل طارق مسألة وقت لا أكثر، فبريطانيا وإسبانيا أصبحتا منذ عام 1985 عضوين في حلف الاطلسي، ومنذ عام 1986 أصبحا عضوين أيضا في السوق الأوروبية المشتركة، أي أنهما شريكتان عسكريا واقتصاديا. وعلى الرغم من بدء محادثات بين الجانبين للتوصل إلى حل دبلوماسي نهائي، إلا أن السنوات مرت ولم تسفر تلك المباحثات عن شيء، بل أن إسبانيا حاولت عام 1999 أن تستخدم انضمامها العسكري الكامل لحلف الأطلسى للضغط على بريطانيا لتتنازل نهائيا وترحل عن جبل طارق، لكن هذا الضغط انتهى بقبول إسبانيا الاعتراف بعدم قدرتها على تحمل المسئولية العسكرية التي تتحملها بريطانيا من خلال القاعدة البحرية الضخمة التي تمتلكها على الأرض التي تحتلها في مضيق جبل طارق، مما اضطرها إلى إرجاء مطالبها إلى وقت لاحق. وعلى الرغم من اعتراف إسبانيا بعدم قدرتها على تحمل مسئوليات عسكرية بمضيق جبل طارق في إطار حلف الأطلسى إلا أن المباحثات استمرت مع حكومة توني بلير، وكان من الواضح أن بريطانيا تريد التخلص من هذه المشكلة، بل سارت المباحثات خلال الأشهر الأخيرة بشكل ايجابي، واعتقد المراقبون أن عملية استعادة جبل طارق ليست سوى مسألة وقت، بل وتم تحديد ربيع هذا العام 2002 للتوقيع على اتفاق بين الجانبين لإنهاء المشكلة على مراحل: المرحلة الأولى من خلال تقاسم السيطرة على جبل طارق بين الجانبين، ثم تأتي مرحلة تالية تصبح فيها منطقة صخرة جبل طارق تحت السيطرة المدنية الكاملة للإدارة الإسبانية، على أن تبقى القاعدة البحرية البريطانية على حالها من خلال اتفاق يشبه ذلك الاتفاق الذي يسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية على الأراضي الإسبانية. خلال المباحثات التي جرت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة كان من الواضح أن الحكومة العمالية البريطانية لا تهتم كثيرا برأي سكان المستعمرة البالغ عددهم حوالي ثلاثين ألفا، على الرغم من وجود اتفاق بين سكان المستعمرة وبريطانيا على أجراء استفتاء شعبي يمنح هؤلاء السكان حق تقرير المصير، إلا أنه فجأة ودون سابق إنذار سربت صحيفة «التايمز» البريطانية رسالة سرية وجهها وزير الدفاع البريطاني إلى زميله وزير الخارجية في حكومة بلير يطالبه بالتراجع عن التوصل إلى اتفاق مع إسبانيا بشأن جبل طارق، لأن آثار مثل هذا الاتفاق ستنعكس سلبا على القدرة العسكرية البريطانية في منطقة البحر المتوسط! هذه الرسالة كانت بمثابة ضربة للجهود الإسبانية البريطانية للتوصل إلى حل مقبول لهذه المشكلة، لذلك بذل المراقبون جهودا كبيرة لفهم هذه «العقبة» الغريبة التي جاءت في وقت غير متوقع، وحاولت بريطانيا أن تبرر هذه الرسالة بعدم وجود تنسيق بين وزيري الدفاع والخارجية، فيما برر الجانب الإسباني هذه العقبة بكلام معسول لا يقول شيئا ولا يكشف الحقيقة! اليد العليا إلا أن نظرة تاريخية إلى المراحل التي مرت بها مشكلة جبل طارق بين إسبانيا وبريطانيا تؤكد أن هناك مبررات غير معلنة لإرجاء إعادة المستعمرة إلى إسبانيا. في الأصل كان احتلال جبل طارق من جانب بريطانيا عام 1704 هدفه منع إسبانيا من التحكم وحدها في مضيق جبل طارق الذي يعتبر ممرا بحريا غاية في الأهمية، لأنه يتحكم في المرور الملاحي مابين البحر المتوسط والمحيط الاطلسي، لأن إسبانيا تحتل مدينتي سبتة ومليلة على الساحل الجنوبي من المضيق. وخلال فترة الحربين العالميتين تبين أهمية التحكم في مضيق جبل طارق، وخلال الحرب العالمية الثانية بالذات، أي في ظل وجود الجنرال فرانكو صديق هتلر، ما كان لبريطانيا وحليفتها الولايات المتحدة السيطرة على الملاحة البحرية ومراقبة الغواصات الألمانية عبر مضيق جبل طارق لو لم تكن بريطانيا تحتل تلك المنطقة. استمر هذا أيضا خلال فترة الحرب الباردة، فقد كان للتحكم البريطاني في المرور الملاحي عبر مضيق جبل طارق أهمية كبرى، من خلال مراقبة البحرية السوفييتية، وهذه الرقابة شجعت الولايات المتحدة على مساعدة بريطانيا لتطوير عمليات الرقابة والتجسس في تلك المنطقة، وبشكل خاص مراقبة الغواصات، فقد أكدت تقارير رسمية أن القاعدة البحرية البريطانية في جبل طارق لديها شبكة إلكترونية ضخمة مكونة من خلايا اصطناعية حساسة تغطي قاع مضيق جبل طارق، وتجعل من المستحيل مرور أي «غواصة» دون أن ترصدها، وهذا في حد ذاته له أهمية كبرى للولايات المتحدة التي تمتلك أضخم أسطول عسكري يجوب البحر المتوسط، ويحتاج إلى مراقبة أي سفن أخرى تنافسه في المنطقة. بل أن هناك من يؤكد أن سبب تعثر المباحثات بين إسبانيا وبريطانيا حول جبل طارق الأسبوع الماضي، ومن قبلها خلال مباحثات اندماج إسبانيا عسكريا في حلف الاطلسي، يعود إلى التدخل الأميركي المباشر في تلك المباحثات، فلا يزال البيت الأبيض ينظر بعين الشك إلى ولاء إسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية للاستراتيجية العسكرية الأميركية، ويرى أن بريطانيا فقط التي تتمتع بثقته في كل أوروبا، ولذلك يحاول المسئولون الأميركيون تجنب انفراد أي دولة أخرى برقابة المضيق، أو حتى مجرد مشاركة بريطانيا في هذه العملية. ان كان البعض يرى أن «الحرب الباردة» انتهت بتسليم روسيا فإن «صقور» البيت الأبيض لا يرون هذا، لا يزالون يشكون في إمكانية العودة إلى فترات أخرى تشبه الحرب الباردة، وإذا كانت روسيا أصبحت شريكا فإن هناك آخرين مرشحون لاحتلال صفة «العدو» في المستقبل. إسبانيا تعترف بهذا دون التصريح به، ولا تجد حلا لهذه المشكلة، أي الجلاء البريطاني عن جبل طارق، إلا من خلال تخليها عن مدينتي سبتة ومليلة للمغرب، لأنه في هذه الحالة ستجد الولايات المتحدة مجالا للمناورة من خلال استمالة أحد الطرفين المسيطرين على مضيق جبل طارق. ربما كان هذا هو السبب في أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية أصبحت تناقش هذه الفكرة خلال الأسابيع الأخيرة، وان كانت الحكومة لا تعترف بهذا رسميا، أو يرفض المسئولون مناقشة هذا علنا. كما ان استراتيجية التدخل الأميركية لم تعد تقتصر على مناطق العالم الثالث، أو بين الدول التي لا تمتلك القدرة على رفض ضغوطها وتلبية ما يخدم مصالحها، بل أصبحت الولايات المتحدة تمارس الاستراتيجية نفسها حتى في تعاملها مع «حلفائها» أو الدول المفترض أنها شريكتها. من هنا علينا أن نفتش عن «اليد» الأميركية في كل مشكلة دولية، حتى في جبل طارق على الرغم من أن إسبانيا وبريطانيا حليفتان استراتيجيتان في إطار السيطرة الأحادية على العالم. ـ كاتب مصري مقيم في إسبانيا