عندما أنهى د. سال سيفير كتابه القيّم «كيف تكون قدوة حسنة لابنائك» وأراد ان يجتمع بالمراجعين اللغويين الذين يتولون تصحيح الاخطاء النحوية أو الاملائية قرر د. سال ان يصطحب معه ابنه في تلك المقابلة، وقد كانت المرحلة السنية لذلك الابن هي مرحلة المراهقة التي تتطلب وجود علاقة حقيقية بين الآباء والابناء، لكي تكون هي المظلة التي تحمي المراهق والمراهقة من هجير الأيام، ومن قسوة الأحداث والتجارب التي يتعرضون لها، أو قد يرونها ويتأثرون بها! صداقة الأبناء بالآباء والأمهات هي ماء وهواء التربة التي يقف عليها أفراد الأسرة، فمن خلالها يفهم الأبناء الحياة بشكل مختلف، حيث تذوب الحواجز النفسية بين الكبار والصغار وتكون قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، ومنافذ القلب والعقل مشرعة ومهيأة لاستقبال التوجيهات والآراء دون تحفّظ أو ممانعة. وبعد نهاية الجلسة التي جمعت د. سال سيفير وابنه مع المراجعين لكتابه، التفت الابن الى أبيه وقال له: وهل يحتاج رجل ناجح مثلك الى ان يراجع أحد بعده كتابه الذي ألفه، واجتهد فيه؟ فأجابه الأب: ما من أحد إلا ويتعرض للخطأ، فالخطأ من سنة البشر، ولأجل هذا فإنه لا يحق لأحد أن يستعلي على الحق، أو ان يتشبّث بخطئه إذا تبين له ان الصواب مع الرأي الآخر. بالدليل العملي والخبرة والمعايشة أراد هذا الأب والكاتب أن يضرب لولده مثلاً حياً على الروح العلمية التي يتحلّى بها، وعلى مرونته واهتمامه بأن يرى ابنه عمل أبيه الذي ليس فيه أي ادعاء للكمال أو العصمة. لقد تجاوز د. سال بهذا الموقف التربوي الصورة النمطية للأب الذي يخفي عيوبه وأخطاءه عن أبنائه ويطلب منهم دائما ألا يناقشوه في أي أمر يطلبه منهم حتى ولو رأوا ان لديهم اعتراضاً ما، أو رأياً مخالفاً لرأي الأب. فلقد غاب عن ذهن بعض الآباء ادراك سر الأداء التربوي السليم، والخطوات العملية القادرة على إنجاح تلك المهمة فائقة الحساسية والقيمة. حيث اقتصر لديهم دور الأب على تنفيذ بعض الطقوس الشكلية التي تعجز عن النفاذ الى قلوب الأبناء والتأثير فيهم بشكل يرضي الطموح ويحقق المقاصد العليا للتربية الفاعلة. لقد أجاد ذلك الصنف من الآباء دور الشرطي أو الحارس القوي الذي يتصيّد أخطاء الصغار ويسجل المخالفات، ويطلق التحذيرات، وكأن ابناءه جرذان صغيرة لا تستحق إلا المطاردة والحبس في الأقفاص حيث لا حركة ولا نشاط ولا نقاش أو حوار طالما ان هذا الأب موجود في المنزل. ورغم ان صورة الأب الصارم الجاف الذي يصعب اختراقه والوصول الى قلبه، بدأت تتلاشى هذا الأيام، مع تزايد الوعي بأهمية تكوين علاقة دافئة وحميمة مع الأبناء، إلا ان البعض مازال حاملاً سوطه، ملوحاً بالضرب والتهديد في كل وقت وحين. إن حميمية العلاقة مع الأبناء، واظهار التواضع أمام الحقيقة، واجراء حوار صحي مباشر ليس فيه تكلف ولا تصنّع يخلق أجواء غاية في البهجة والروعة، حيث يتضاعف احترام الأبناء للآباء مرّات ومرّات، فهم يرون بأعينهم تلك البساطة وذلك الأفق الواسع الذي يتمتع به الأب فيشملهم برعايته واهتمامه، ويصدر لهم أفكاره وتصوراته دون ان يخلق لنفسه صورة من الخيال غير قابلة للتصديق أو غير ممكنة التحقيق. البساطة وحدها هي المرشحة دائماً للتأثير والقادرة على الفوز بقلوب الصغار بجدارة واقتدار. m-alnaymi@maktoob.com