اذعنت شبكة «سي.ان.ان» التلفزيونية الاميركية للابتزاز الصهيوني، واعتذرت لاسرائيل عن بثها مقابلة مع والدة الشهيد جهاد منفذ العملية الاستشهادية في المستوطنة الصهيونية «بتاح تكفا» يوم 27 مايو الماضي، قبل بث مقابلة اخرى مع اسرة الصبية اليهودية التي قتلت في العملية. ولم يكتف ايسون جوردان مدير الشبكة الاخبارية بالاعتذار، رغم ان الشبكة بثت المقابلتين في اطار التغطية الاخبارية، لما يجرى في الاراضي الفلسطينية، بل اعتبر مجرد بث مقابلة مع عائلة الاستشهادي موازاة اخلاقية زائفة تسوي ما بين المهاجمين الفلسطينيين وضحاياهم اليهود! وامعانا في ترضية اسرائيل المدللة في حضن الادارة الاميركية، وحاملة الحصانة التي تجعلها غير قابلة للمس او النقد، قدم جوردان الذي زار تل ابيب اعتذاره عن خطيئة الـ «سي.ان.ان»، واعلن ان الشبكة لن تبث اي لقاءات لعائلات الاستشهاديين الفلسطينيين، بمعنى وضعهم في قائمة سوداء، ضمن سياسة معلنة للتعتيم الاعلامي، لتسهيل مهمة تزييف الحقائق وتشويه الصورة الاعلامية للعرب وخصوصاً تيار المقاومة في فلسطين ولبنان، ومن يناصرهم بالكلمة الحرة. وما فعله جوردان وقبله تيد تيرنر مؤسس «سي إن إن»، الذي تراجع عن اتهامه لاسرائيل بالارهاب، يفضح حقيقة خضوع الاعلام الاميركي لجماعات الضغط الصهيونية، اذا ما تعلق الامر بالكيان الصهيوني، فهناك خطوط حمراء لا يجرؤ احد على تجاوزها، ومن يجتريء على ممارسة حقه الطبيعي والمهني في الكلام بموضوعية، وينقل بعضاً من جرائم اسرائيل ضد الاطفال والمدنيين العزل من الفلسطينيين فمصيره الحتمي إما النفي خارج المؤسسة الاعلامية او التهميش والحصار، والموت المعنوي. الامر المثير للدهشة والتساؤل هو سطحية تعامل اعلامنا العربي مع قضية الانحياز الاعلامي الاميركي والغربي لاسرائيل، فمن جانب يستمريء البعض حالة السلبية والتعامل بحيادية مذمومة مع ما يجري وكأن الامر لا يعنيه، متذرعاً بحجة واهية تتمثل في سطوة اللوبي الصهيوني ونفوذه وتغلغله في مؤسسات الاعلام الاميركي والعالمي، وهي حجة تدفع وتحفز على التحرك واقتحام الساحة، بدلا من الانكفاء المذل تحت جناح اسطورة يمكن تحطيمها، مثلما حطمت الارادة العربية الكثير من اساطير الصهيونية. ومن جانب ثان، يكتفي البعض منا بابراء الذمة وممارسة الطقس المخجل من تنديد وشجب لا يسمع به سوانا، اما الآخر المعني بالامر فلا يصله منه سوى كل ترضية، ناهيك عن غياب اي عمل عربي مؤسسي يظهر مثلاً لـ «سي ان ان» العين الحمراء، ويجعلها تدرك ان الانحياز للارهاب الصهيوني امر مكلف اقتصادياً، ويجعلها تراجع سياستها، لا نقول تماما.. بل على اقل تقدير تتبنى قليلاً من الموضوعية حتى لا تضحي بسمعتها وربحيتها من اجل جمهور صهيوني لا يمكن مقارنته بالجمهور العربي والمسلم الذي يسد الآفاق. اما ما يثير السخرية من الذات، هو وضعنا العربي، الذي يدمن الاجتماعات وصياغة البيانات الطويلة وتدبيج الخطط المستقبلية لمواجهة انحياز الاعلام الغربي، دون اتخاذ خطوة جادة فعلية، ولو حتى اتسمت بالبساطة، لمجرد الانتقال بنا من دائرة «طق حنك» إلى مربع الفعل. وحتى يتحقق لنا بعض مما نريد، وبانتظار تحرك المؤسسات الرسمية العربية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، ومؤسسات الاعلام العربي، مطلوب من كل اعلامي عربي الا يفوت الفرصة للاشتباك مع وسائل الاعلام الاميركية والغربية، ويبادر بالكتابة إلى الصحف الاميركية للرد على الاكاذيب الصهيونية، ولايضاح الحقائق، وهذا اضعف الايمان.. ولا عزاء في «سي إن إن».