اهتزت بلدتنا عندما وصلت السيارة الفاخرة. فلقد كان معتادا ان تمر هذه السيارات على الطريق السريع الذي يبعد عنا عدة كيلومترات. ولم تكن السيارة التي وصلت فاخرة فقط، بل كانت تحمل أرقاما حكومية، وتزينها ستائر تحجب الجالس في المقعد الخلفي عن الأنظار. ودوت اشاعة تقول ان معالي الوزير قد وصل. وهي شائعة لم تستطع ان تقف على ساقين، فمنذ سنين طويلة وبلدتنا تنتظر معالي الوزير، لكنه لم يأت أبدا، فلا يمكن أن يأتي دون مقدمات. وفعلا كان الرجل الذي أتى هو مدير مكتب الوزير وهو أمر جعل بلدتنا تنتشي، فلم يسبق لها ان استقبلت مديرا لمكتب الوزير. ولكن الخبر الأعظم أن سيادة مدير مكتب الوزير أتى ليعد لزيارة الوزير. ولأول مرة ارتج الأمر على حزب المتشائمين الذين كانوا يؤكدون أن الوزير لن يأتي أبدا. وكان محمود العربي مدرس التاريخ يقول ان فكرة زيارة الوزير لبلدتنا أتت منذ الوزير أمحوتب في عهد الملك زوسر، وان ذلك كان من نحو أربعة آلاف سنة. وقال ان فكرة زيارة الوزير كانت دائما مستحيلة لكنها بدت معقولة في بعض الفترات المملوكية، ومع ثورة 1919 ومع ذلك لم يتحقق الحلم أبداً. ولكن ها هو الحلم يتحقق، وقد حضر سيادة مدير مكتب الوزير ليعلن حضور معالي الوزير. وبالطبع دوى الخبر، وبدأنا نعد للزيارة، أخذوا التلاميذ يدربونهم على الاستعراض أمام معالي الوزير. وبدأوا ينظفون الشوارع، ووصل الأمر الى أننا فكرنا في أن نعرض عليه مطالبنا. واكتشفنا أننا لا نعرف مطالبنا. بالتأكيد كانت واضحة في عهد الملك زوسر، ولكن مرور كل هذه السنين دون أن يصل معالي الوزير أنسانا المطالب. فبدأ البعض يدرس الاحتياجات الأساسية، ولكن قامت معركة بين أهل البلد نتيجة الخلاف على المطالب. أما ما لم نكن نختلف عليه هو الاحتفال بمعالي الوزير، وتوزيع الأدوار بين من يلقي كلمة ومن يلقي قصيدة. ولا ندري من الذي اقترح وضع صورة ضخمة في مدخل البلدة لمعالي الوزير، حتى يراها معاليه وهو داخل الينا، فيقرأ ما في قلوبنا من محبة له. وقيل - ولا أدري مدى صدق هذا - ان مدير مكتب الوزير أثنى على الفكرة وقدم صورة كبيرة للوزير. ولكننا رأينا أن الصورة أصغر مما نريد. حقا إنها أكبر صورة رأتها البلدة في تاريخها، ولكن اذا وضعت في مكان عال لن تظهر ملامح معالي الوزير، بل وقد تتشابه مع أي شخص من عامة الناس. وتطوع العم وليم المصور القديم لتكبير الصورة حتى تصبح في الحجم اللائق بمشاعرنا، وفعلا كبرها بحيث بدت أضخم من أي شئ في بلدتنا، وإن كان استخرج عددا كبيرا من الصور الصغيرة باعها للناس. واستيقظ فجأة حزب التشاؤم، فلقد حذرنا يوسف نصر الدين من وضع صورة الوزير. ربما كانت الصورة «بروفيل» والوزير يحبها «فاس»، وقد تظهره باسما، وهو يحب أن يبدو حازما، قد تظهر في شاربه المحترم شعرة بيضاء وهو يريد أن يبدو في مقتبل العمر. ورغم أن يوسف عز الدين كان معروفا بتسويد أي صورة، وبالحاحه الكئيب، إلا أن الرغبة في الاحتفال بمعالي الوزير كانت أقوى. وعندما وضعت الصورة قبل الوصول الى البلدة بنحو كيلو متر اعطاها الناس كلهم موافقتهم عليها، حتى أننا صفقنا تصفيقا حادا، ونحن نرى معالي الوزير بوسامته وابتسامته ونظرته الساحرة الى المجهول. ورغم أن حزب التشاؤم أشاع ان معالي الوزير لن يأتي إلا أنه أتى. هل أعجب بصورته؟ لا نعرف، لكن بعض الرسميين أكدوا اعجابه الشديد بالصورة. والعم وليم اشتكى من أن معالي الوزير طلب منه ألف صورة ليعممها على انحاء البلاد. وتطوع المجلس المحلي للاتفاق على المشروع الكبير. واختلف الناس فيما يريدون من معالي الوزير. أحدهم طلب جسرا يربط بين شرق البلد وغربها. لكن آخر حذر من هذا الجسر لأنه يأخذ جزءا من أرضه وطالب بمستشفى. وتعددت المطالب فغضب الوزير، أو قيل أنه غضب. فمن غير المعقول أن يكون قد غضب ثم يعد بأنه سيعود لزيارة البلدة بعد فترة قصيرة. بالطبع لم يصدق أحد أن معالي الوزير سيعود مرة أخرى. فاذا كان لم يزرها إلا مرة خلال اربعة آلاف عام، فكيف يزورها مرتين في اسبوع أو شهر. لكننا رغم هذا كنا في الانتظار حتى أتى يوسف نصر الدين بالخبر المشئوم وهو أن صورة معالي الوزير تلوثت بالطين. خرجت البلدة كلها الى موضع الصورة، واختلفت التفسيرات فهذه الأوساخ نتيجة الأمطار، أو نتيجة سرعة السيارات، ولكن يوسف نصر الدين تساءل: ألا يمكن أن يكون هذا بفعل فاعل؟! وازدادت الصورة اتساخا ووقعنا في مأزق لا حل له: فلو تركنا الصورة كما هي سيغضب معالي الوزير، وتنقلب المجاملة التي قصدناها الى اهانة لم نقصدها. ولو أننا ازلنا الصورة لانتبه الوزير وغضب. وطلب الرسميون من العم وليم صورة أخرى بنفس الحجم، لكي يضعوها مكان الأولى. وفي هذه المرة طلب تكاليف الصورة. ولكن الأمور تطورت بسرعة شديدة، فلقد أتى يوسف نصر الدين وقال انه قد حدثت كارثة، ورفض أن يتحدث عنها لكنه طلب من الناس أن يصحبوه الى موقع الصورة. وصحبه كثيرون رغم أنهم يعرفون أنه مبالغ ومتشائم ومدهش في اثارة الكآبة. ولكن ما رأوه كان كارثة فعلا، فلقد كانت الصورة مخترقة بخروق نتيجة طلقات بندقية مقاس 12 سنتيمترا، ولم يعترض أحد على هذا القياس، فنحن لا نعرف قياس الطلقات، وصحيح أن يوسف نصر الدين أفتى، ولكن لا أحد لديه ما يرد به فتواه! وانقلبت الأمور في بلدتنا فالجميع يلحون على العم وليم بانهاء الصورة. ويوسف نصر الدين يحوم حول موقع الصورة، مرعوبا أن يأتي الوزير في أية لحظة قبل تغيير الصورة، والأمن فتش عددا كبيرا من البيوت للبحث عن بندقية عيار 12 سنتيمترا رغم أن احدا من رجال الأمن لم يكن يعرف قياس الطلقات. وفي النهاية قبضوا على عشرات ليس عند بعضهم سوى سكاكين مطبخ. ورغم أن البلدة كانت تلهث باحثة عن حل للكارثة، إلا أن معالي الوزير أتى قبل الوصول الى حل. لم يخبر أحداً أنه سيصل. لكن فجأة ذات صباح توافدت على البلدة سيارات تضم رجال الاعلام وكبار الموظفين وصغار الموظفين، وفي النهاية أتت سيارة معالي الوزير. ويبدو أن السائق تغير، أو أن قدرته على حفظ الطريق كانت ضعيفة، فلقد توقف ليسأل عن الطريق. ومن يسأل: يوسف نصر الدين زعيم حزب المتشائمين. ماذا أتى به الى طريق الوزير؟ وتحت الصورة مباشرة؟ لا أحد يعرف، وإن كان أحدهم قال ان هذا يشبه حومان المجرم حول مكان جريمته. لقد كان يوسف نصر الدين مرعوبا من هذا المكان، وكان أول من حذرنا منه، وها هو يقف فيه متى؟ في أحرج اللحظات. توقف السائق ليسأل عن الطريق. لكنا يوسف نصر الدين تخيل أن الوزير يوجه له اللوم على نقش صورته بطلقات الرصاص، ويعد بالانتقام. فمات يوسف نصر الدين لساعته! لكن البعض يقولون ان هذا لم يحدث، وأن ما حدث أن السائق عندما سأل يوسف نصر الدين عن الطريق، كان يوسف في أشد حالات الكرب لما حدث للصورة. لكنه عندما أطل داخل السيارة ليعتذر لمعالي الوزير، وليوضح له أن الأمر ليس مقصودا، أو على الأقل ليس مسئولية البلدة، فوجئ أن معالي الوزير ليس هو معالي الوزير، فلقد حدث تعديل وزاري دون أن نعرف! وسقط يوسف نصر الدين ميتا من الفرحة!