يمكن القول انه في نفس الاسبوع ـ الثالث من شهر يونيو 2002 نجحت قمة وفشلت قمة، اما القمة الناجحة فهي قمة الاتحاد الاوروبي المنعقدة ، في مدينة اشبيلية الاندلسية والمخصصة للاجراءات الاوروبية ضد الهجرة غير الشرعية.. اما القمة الفاشلة فهي قمة اتحاد المغرب العربي التي كان من المتوقع انعقادها في عاصمة الجزائر بين رؤساء دول هذا الاقليم. ولقائل ان يقول: هل هناك علاقة ما بين نجاح القمة الاوروبية وفشل القمة الثانية؟ والجواب هو انه ليس هناك علاقة منطقية بين هذه وتلك.. منطقية بمعنى العلاقة بين السبب والمسبب.. لكن هناك علاقات وطيدة وجدلية واستراتيجية بين القمتين حتى ولو خفيت عن عين الناظر. فالزعماء الاوروبيون الخمسة عشر المجتمعون في جوهرة الحضارة العربية الاسلامية اشبيلية وبين مساجدها ومآذنها وقصور أمرائها العرب الاقدمين، تعاملوا مع الضفة الجنوبية للبحر الابيض المتوسط ـ اي بالذات تونس والجزائر والمغرب ـ تعاملاً فجاً وضيق الافق ومحدود الابعاد، لان الخلفية التي انطلقوا منها هي خلفية غير متكاملة، لانها تضع قضية الهجرة غير الشرعية في الصدارة وفي غير اطارها الصحيح، كأنها منعزلة عن منظومة معطيات واشكاليات معقدة ومتشعبة ومتراكمة منذ عشرات السنين في تاريخ البحر الابيض المتوسط بضفتيه الشمالية ـ أوروبا ـ والجنوبية ـ المغرب العربي ـ وكأنما هذا الملف: الهجرة غير الشرعية، هو الملف المعيق لانطلاق تعاون اقتصادي وتجاري وثقافي منتظر بين الشريكين التقليديين الاتحاد الاوروبي والاتحاد المغاربي، وليس ملفا تراكمت مشاكله شيئاً فشيئاً بسبب اخطاء ارتكبها الجانبان وتناسيا التداول فيها وايجاد الحلول لها على مدى اكثر من ثلاثين عاماً. وعودة خاطفة للتاريخ الحديث تسلط الاضواء على اصل القضية: فقد استقلت شعوب المغرب العربي منذ 1956 الى 1961 وانقطع الحبل السري الذي يربطها بالامبراطورية الفرنسية بصورة مفاجئة وعاطفية، تدرجت من حرب بنزرت بتونس مع الاستقلال الزراعي التونسي وردة فعل الجنرال شارل ديغول رئيس جمهورية آنذاك ضد سياسة الحبيب بورقيبة التحريرية.. الى سياسة توافق وتعاون مع الملك الراحل محمد الخامس ثم مع ابنه الملك الراحل الحسن الثاني بالمملكة المغربية، الى علاقات مأساوية بالنسبة للطرفين مع حرب الجزائر التحريرية وشبه القطيعة الدامية بين شعبين: الفرنسي والجزائري امتدت خلال كل فترة الرئيس الراحل المرحوم هواري بومدين. وموازاة مع هذا الخلل التاريخي المؤسس للقطيعة وعدم الاتفاق، ساد العلاقات الداخلية بين دول المغرب العربي مناخ من اختلاف الامزجة والانتماءات والمصالح عصفت في الستينيات بأمل قيام وحدة المغرب العربي، كما حلم بها الآباء المؤسسون لفكرة الاتحاد المغاربي: الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي وعبدالكريم الخطابي وعبدالحميد بن باديس. وتفاءلنا عندما اجتمع قادة الدول المغاربية عام 1989 واعلنوا قيام اتحادهم بعد ان توارى عن الساحة رجلان لهما مزاج خاص وتاريخي، وهما بورقيبة وبومدين، ثم اكتشفنا ان المعضلة الاساسية القائمة، ام المعضلات المتمثلة في الصحراء المغربية وتنازع سيادتها، لم تحل بجرة خمسة أقلام اعلنت قيام الاتحاد المغاربي، بل ظلت كما هي بالرغم من عدم حماس الجزائر الواضح على ايجاد حلول لها على ايدي منظمة الامم المتحدة ومبعوثها وزير خارجية اميركا الاسبق جيمس بيكر. وزاد الطين بلة ذلك الحصار الذي ضرب ليبيا بسبب اسقاط طائرة لوكيربي واتهام المخابرات الليبية بتدبيره الى ان وجدت هذه القضية حلاً مع محاكمة المتهمين في اسكوتلندا. وبالرغم من هذه النوازل المعيقة فقد اعلن الاتحاد الاوروبي انه يريد مع المغرب العربي شراكة تقضي بفتح الحدود ورفع الضرائب، ونجح هذا التعاون بصفة متواضعة مع كل من تونس والمملكة المغربية وتعثر مع الجزائر بسبب تفاقم الازمة الداخلية الجزائرية التي وصلت حد حرب اهلية محدودة وصلت تداعياتها وانعكاساتها الى المجتمع الفرنسي وبعض دول اوروبا. والتفت الاتحاد الاوروبي الى مجتمعات اوروبا الشرقية يوسع التعاون معها كشعوب مسيحية اقرب اليه دينيا لكن ابعد عنه ثقافيا وحضاريا وظلت اقتصادات الدول المغاربية تعاني من مشاكل بطالة الشباب مما وضع ملف الهجرة غير الشرعية في مقدمة المشاكل الامنية والسياسية في دول اوروبا، نتج عنه صعود نيزيكي لاحزاب اليمين المتطرف سريعا ما تراجع في فرنسا بعودة يمين الوسط المعتدل الى الحكم. ورغم الخلاف بين دول اوروبا في مواجهة ظاهرة الهجرة، فإن الحل المعتدل القادم من فرنسا يمكن ان يكسب الرهان لانه يراهن على مزيد من التعاون وتجسيد الشراكة لامجرد غلق الحدود وتجنيد الجنود فإنه قدر للضفتين ان تتعايشا والى الابد. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر