بعد القرن العشرين، الذي شهد حربين عالميتين مدمرتين وعددا من الحروب الأقليمية بما فيها أساسا الحرب العربية - الاسرائيلية المتواصلة منذ اكثر من نصف قرن، هل يتجه القرن الحادي والعشرون، - أو أقله العقود الأولى منه - ليكون قرن ما يمكن تسميته بـ «الحروب الوقائية» في العالم؟! ليس السؤال ساذجا، ولا هو افتراضي، اذا ما نظر اليه من الزاوية التي تحدث عنها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في أكثر من مناسبة - آخرها في «ويست بوينت» مطلع يونيو - ووضع فيها «الحرب الوقائية» بندا أول في سياسته الخارجية، وايضا في ظل التنظير لهذه الحرب من وزير دفاعه دونالد رامسفيلد في مقال كتبه في العدد الأخير من مجلة «فورين افيرز» التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية في العاصمة الأميركية واشنطن. وفي التعريف العسكري، «الحرب الوقائية» هي تلك الحرب الاستباقية التي تفاجئ العدو قبل ان يقوم هو بمثل هذه المفاجأة غير أنها، في الواقع العملاني على الأرض، حرب عدوانية صارخة بكل ما تحمله كلمة عدوانية وكلمة صارخة من معنى، السبب أنها تقوم على افتراض مفاجأة، أو عدوان، وتتصرف على هذا الأساس من دون أن يكون لافتراضها سند ثابت، عسكري أو قانوني، في ما عدا - ربما - توقع نوايا عدوانية لدى طرف آخر او تجميع معلومات من أجهزة مخابرات او نتيجة مراقبة تحركات عسكرية لخصم قد يكون يستهدف من هذه التحركات غايات ونوايا أخرى. وليس في ذلك كله، على أهميته، مبرر كاف لشن حرب شاملة، ولا حتى لبدء عمليات عسكرية محدودة، من قبل أية دولة ضد أية دولة أخرى. هذا في المبدأ، أما عندما تتخذ قرار «الحرب الوقائية» دولة عظمى، او الدولة الأعظم في العالم مثل الولايات المتحدة، وفي السياق الذي حدده بوش بكل وضوح (من ليس معنا فهو ضدنا)، وسندا لمعلومات وكالة الاستخبارات المركزية «سي.آي.ايه» او مكتب التحقيقات الاتحادي «أف.بي.آي» او من غيرهما من الأجهزة الأمنية الأميركية التي تخضع لتحقيقات مكثفة منذ أسابيع بسبب فشلها في استباق عملية الحادي عشر من سبتمبر، أو كشف الخطة قبل البدء بتنفيذها، تصبح الحرب عندها، خصوصا «الحرب الوقائية»، أكثر من عدوان تصبح صلفا وتجبرا قد لا يكون لهما مثيل حتى في القرون الوسطى. الشك والاقتداء! هل من يفشل في الحيلولة دون عملية مثل الحادي عشر من سبتمبر ضد بلده، او حتى كشفها قبل وقوعها، يمكن ان يكون موثوقا في تقديم معلومات دقيقة، فضلا عن ضمان الاعتماد على هذه المعلومات، عن تحركات خصم ما او عن استعداداته او حتى عن نواياه المبيتة ؟! أكثر من ذلك، عندما تكون الأجهزة المعنية ما لا يشك أحد في أنها الأكبر، والأهم، والأوسع مدى وحركة، والأغنى، على امتداد العالم (الـ «سي.آي.ايه»، والـ «أف.بي .آي»، وتكون الدولة هي صاحبة نظرية «الحرب الوقائية»، يغدو طبيعيا ان يتملك مثل هذه الحرب قدر واسع جدا من الشكوك. لقد أصبح الاحتواء والردع (المبدأ الأميركي في خلال فترة الحرب الباردة) من دون معنى أو موضوع وبات علينا أن نواجه أسوأ المخاطر قبل ان تبدأ، هذا ما قاله بوش في «ويست بوينت» في الأول من يونيو ثم خرجت أجهزة الأعلام الأميركية في اليوم التالي لتصف ما قاله بأنه «مبدأ بوش» الاستراتيجي للحرب الأميركية الوقائية في المرحلة المقبلة. لكن الأعلام الأميركي اضاف الى ذلك أن مثل هذه الحرب ليست جديدة في العالم، مشيرة بصورة خاصة الى ما وصفته بـ «الضربة الوقائية» التي شنتها اسرائيل ضد المفاعل النووي العراقي العام 1981 والى «الضربة الوقائية» الأخرى التي قالت ان الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي فكر بأن يشنها على الصواريخ السوفييتية في كوبا العام 1962، ثم الى الحرب الأميركية على أفغانستان التي اعتبرتها انتقامية في جانب منها ووقائية في جانب آخر، اضافة الى الاجتياحات الأسرائيلية الأخيرة لمدن وقرى الضفة الغربية، وصولا في الفترة اللاحقة الى التهديدات الهندية بشن عمليات حربية شاملة ضد باكستان. الارهاب.. والارعاب مثل هذه النماذج لـ «الحرب الوقائية»، ولو اعلاميا ربما للآن فقط، هي الأكثر خطرا من كل ما عداها فهي تجعل من الدولة العظمى قرصانا لا يأبه لأي قانون او مبدأ دولي، ومن غيرها من الدول أهدافا يمكن صدور القرار بالاعتداء عليها في أية لحظة والتهمة جاهزة، في كل حال، بالنسبة للدول التي تناصب سياسة الولايات المتحدة العداء: الارهاب او دعمه او ايواء عناصره او امتلاك اسلحة دمار شامل ويمكن ان تصبح جاهزة في أي يوم بالنسبة للدول الأخرى. «لا يمكن ان ننتظر حتى يتوفر لدينا دليل قاطع» لشن الحرب، هذا ما قاله دونالد رامسفيلد لزملائه وزراء دفاع حلف شمالي الأطلسي في أثناء اجتماع الحلف الأخير فطبيعة العدو، حسب تعبير أحد مسئولي الادارة لصحيفة «الواشنطن بوست»، تغيرت كما تغيرت طبيعة الخطر نفسه، ولذلك فالرد من قبلنا يجب ان يتغير بدوره ومع ان أمين عام الحلف جورج روبرتسون رد على رامسفيلد بالقول ان طبيعة حلف شمالي الأطلسي تبقى دفاعية، وأن «علينا الا نبحث عن مشاكل» عبر مثل هذه السياسات، فما تتفق عليه الصحافة ومراكز الابحاث الأميركية حاليا هو ان خطة «الحرب الوقائية» او «الضربة الأولى» قيد البحث الآن لتوضع بتفاصيلها بصورة نهائية في الخريف المقبل. أما العنوان فهو «المنظمات الأرهابية» من جهة، وما يمكن ان تملكه هذه المنظمات من أسلحة دمار شامل من جهة ثانية، والدول المعادية للولايات المتحدة بما لديها من أسلحة بيولوجية أو كيميائية أو نووية من جهة ثالثة. وفي النقاش الدائر في أروقة الأدارة الأميركية حول الخطة، وفق المعلومات المتداولة والمنشورة في الأعلام، تطرح عددا كبيرا من الاحتمالات بينها ما يأتي: تدمير أسلحة الدمار الشامل التي قد تملكها تلك المنظمات أو تلك الدول، باستخدام أسلحة أميركية تقليدية ولكن بالغة التطور، برغم ما يمكن ان يشكله هذا التدمير من خطر نشر سموم وأغبرة الأسلحة المدمرة في أجواء الدول المستهدفة وحتى في اجواء الدول المجاورة. الحاجة ربما لاستخدام أسلحة غير تقليدية، بما فيها الرؤوس النووية التكتيكية، لاختراق خنادق مسلحة وعميقة تحت الأرض يمكن ان تكون أسلحة الدول المستهدفة مخبأة فيها. السير بالخطة، خطة «الحرب الوقائية»، برغم المخاطرالتي تشكلها في اطار التصعيد والتصعيد المقابل، اذ أن الخطة، كما يقول احد الخبراء الأميركيين، تضع الأطراف الأخرى في لعبة الشطرنج النووية امام خيار واحد هو «استخدمه، والا فقدته» والمقصود هو السلاح النووي أو غيره من أسلحة الدمار الشامل. لا أحد ينكر في الولايات المتحدة، او في غيرها، ان واشنطن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 هي حتما غير واشنطن ما قبل ذلك التاريخ لكن أن تتحول هذه الدولة الى قرصان يجوب الكرة الأرضية شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، باحثا عن سفينة ضالة فيقصفها ويدمرها بذريعة ان القصف والتدمير يتفقان مع منطق «الحرب الوقائية»، او عن قبطان شارد فيأسره لأنه ربما يملك في قرارة نفسه «نوايا هجوم مبيت»، فذلك ما لم يتصوره أحد حتى في الولايات المتحدة نفسها. ولا معنى لـ «مبدأ بوش» الاستراتيجي الذي يوضع الآن، ولا لـ «الحرب الوقائية» التي يضعها بندا أول في سياسته الخارجية، سوى هذا المعنى. معنى الحرب العدوانية الصارخة، وضد كل «من ليس معنا».. أي ليس مع الولايات المتحدة وسياساتها المقررة تجاه العالم.! ـ كاتب لبناني