لو أنصف العرب ـ ولاسيما مخططو السياسة الخارجية لشمروا منذ الآن عن سواعد الرصد الواعي والمتابعة الجادة والتعامل الذكي الفاهم مع المهرجان الحافل والكرنفال القومي، الذي يتهيأ الأميركيون كي ينظموا فعالياته وذلك المهرجان الذي يحمل كل أربعة أعوام اسما عتيدا ومتكررا هو : انتخابات الرئاسة الأميركية. صحيح ان كرنفال انتخابات الرئاسة.. السباق نحو البيت الأبيض مازال متبقيا عليها نحو 18 شهرا، الا ان المناخ السياسي بالولايات المتحدة بدأ يتهيأ في الفترة الراهنة لنصب هذا المولد الاحتفالي الذي يدوم عدة شهور وتستأثر فعالياته باهتمامات عناصر وشرائح وقطاعات شتى في المجتمع الأميركي.. يستوى في ذلك قطاع النخبة من أهل الانتلجنسيا من المثقفين والمفكرين والأكاديميين كما يستوي أهل قطاعات عديدة أخرى قد تبدأ بالطامحين والطامعين من شباب السياسيين والمشرعين (أعضاء المجالس النيابية على الصعد المحلية والجهوية والفيدرالية). وقد لا تنتهي القائمة ببيوتات العلاقات العامة (بي آر) كما يقول المختصر الشائع الذي اصطلحوا على استخدامه حيث يضع خبراء هذا الفن المستحدث خبراتهم من أجل تقديم الوجوه الجديدة من المرشحين ومن أجل تجميل وتزويق ـ وربما تزييف صورة كل منهم في أعين الناخبين.. هذا فضلا عما قد تضمه قوائم المهتمين بمهرجانات السباق الرئاسي من أهل الميديا ومن كاتبي الخطب السياسية المحترفين وأيضا من صانعي البالونات الملونة وقائدي فرق الموسيقي النحاسية وحتى بائعي أنواع المثلجات وموزعي البوشار! أسلوب المهرجان.. لماذا والحق نقول ان تحويل الحدث الانتخابي لفعاليات كرنفالية تتخذ شكل الاحتفال في مهرجان أمر محمود وايجابي في التحليل الأخير.. ومهما تكن المبالغات التي قد يجنح اليها الأميركيون الا أنها في الأساس تعكس مدى الاهتمام بالعملية الديمقراطية ولو من ناحية الشكل والاطار والاجراءات. هذا النهج الاحتفالي ـ الكرنفالي في مقارنة الشأن السياسي ـ الانتخابي يؤدي الى جعل السلوك والخيار الديمقراطي أقرب ما يكون الى وجدان المواطن العادي وألصق ما يكون بحياته اليومية واهتماماته الحياتية بعيدا عن شقشقة الألفاظ ورطانة المصطلحات الصعبة الحنجورية ـ كما يقول كتاب مصر الساخرون ـ تلك التي تلوكها ألسنة المثقفين مما يبعدهم بالتالي عن دائرة اهتمام ذلك المواطن العادي الذي يأتي المهرجان الانتخابي اياه كل أربع سنوات فاذا به يشعر ان صوته له قيمة وأن اختياراته يمكن ان تغير مسار الأمور، وأنه بهذا يشارك ولو من وراء الستارة المسدلة في مقصورة الاقتراع بدور مهما يكن محدودا أو حتى ضئيلا في تنصيب صاحب المنصب رقم واحد في حكم البلاد. المنصب رقم واحد وبمناسبة المنصب رقم واحد علينا ان نقرر ان رئيس الدولة في أميركا يتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة وربما هائلة، ان دستور بلاده يأخذ كما هو معروف بمبدأ الفصل بين السلطات وهو من محاور الممارسة الديمقراطية في أساليب الحكم والسياسة بعد ان سبق الى بلورته وارساء دعائمة المفكر الفرنسي تشارلس مونتسكيو (1689ـ 1755 ) في كتابه الشهير بعنوان روح القوانين ـ وقد تأثر به واضعو الدستور الأميركي ومن ثم فالفصل قائم وحاسم الى درجة شديدة الوضوح بين سلطات ادارة الحكم الرئيسية الثلاث التشريعية (الكونغرس) والقضائية ( وعلى رأسها المحكمة العليا ) ثم التنفيذية ( الحكومة التي تعرفها أدبيات السياسة الأميركية بأنها ( الادارة ). ورغم ان الكونغرس ـ كما هو معروف له صلاحيات ونفوذ وتأثير بالغ العمق لدرجة تحد في مناسبات شتى من سلطات رأس الادارة الأعلى في البيت الرئاسي الأبيض، الا ان الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس الأميركي بلغت من التعدد والسعة والأهمية لدرجة لايزال يروج معها مصطلح أخر في أدبياتهم السياسية وهو مصطلح مستقي من عنوان كتاب سياسي صادر في عقد الستينيات يصف رأس الدولة بأنه: «صاحب الجلالة.. الرئيس». كيف لا والرئيس الأميركي يدير أمور الدولة بغير وجود لمنصب رئيس وزراء وقصاراهم وجود مستشارين أفراد ومؤسسات للمشورة من حول شاغل المكتب البيضاوي.. الى جانب مجلس وزراء يعد وزير الخارجية (ويسمونه حرفيا وزير الدولة ) هو كبير الوزراء أو الوزير الأول في ترتيب البروتوكول بالدرجة الأولى ) هذا في حين ان جميع الوزراء في الادارة الأميركية بمثابة مساعدين ( حتى لا نقول سكرتيرين وان كان هذا هو لقبهم حرفيا ) لفخامة رئيس الجمهورية، هذا فضلا عن ان الرئيس الأميركي وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة يمسك مباشرة بمقاليد هذه القوات دون وجود منصب لقائد عام للجيش.. حيث الرتبة الأعلى في هذا المضمار هي لرئيس هيئة الأركان الذي يعمل بدوره وبحكم منصبه ـ مستشارا عسكريا لفخامة الرئيس. شخصنة المنصب والحاصل أنه رغم ما قيل ويقال عن الطابع المؤسسي لادارة السياسة الأميركية وهو ما يعكف على دراسته طلبة معاهد العلوم السياسية حيث يتداولون فيما بينهم حكاية ان القرارات على أعلى مستوى انما تصدر في أميركا نتيجة جهود جماعية، ومشورات فريقية وعمليات تصنيع لأبعاد وصياغات القرار تبدأ من مراكز البحوث ( بروكنغز أو راند مثلا ) وتجتاز أنابيب اختبار ومحطات تجريب في أروقة المكاتب الفنية بالبيت الأبيض قبل ان تتخذ طريقها الى الطاولة رقم واحد في المكتب البيضاوي الشهير ـ رغم هذا كله. ويبدو أنه كل، على بعضه صحيح ـ الا انه لا سبيل في رأينا الى أنكار طابع الذاتية الذي نجازف بان نسميه طابع «الشخصنه» فيما يصدر عن الرئاسة الأولى بالولايات المتحدة من قرارات أو رؤى أو أجندات عمل أو مناهج لصنع السياسات واقرار الاستراتيجيات وخاصة في مجال العلاقات الدولية. يضاف الى هذا أيضا عنصر تداول تناوب السلطة من ناحية وعنصر المحدودية الزمنية للسلطة من ناحية أخرى. العنصر الأول يؤدي الى تغييرات تتم بين أكبر مؤسستين في العمل السياسي العام بأميركا وهما الحزب الجمهوري ولكل من الحزبين ماكينة وآليات حركته وتصوراته مهما كانت تصدر عن منطلقات راسخة وركائز محورية وجوهرية شبه ثابتة من توخي المصلحة القومية العليا ـ الا ان ثمة اختلافات نوعية يتميز بها بالضرورة ـ كل من هذين الحزبين العنصر الثاني يتمثل في قصر الولايات الزمنية للرئيس الأميركي ـ أي رئيس أميركي على فترتين قوام كل منهما كما هو معروف 4 سنوات مما يتيح فرصة أوسع أمام جموع الناخبين لتغيير الجالسين عند دفة ادارة الحكم في بلادهم. وبديهي ان العنصر الثاني يشكل عامل دعم ووسيلة تعزيز لتحقيق العنصر الأول ومناط كل من العنصرين هو توسيع آفاق التغيير في كل حال. نماذج واقعية وليس أدل على طابع «الشخصنة» الذي المحنا اليه من أسلوب الرئيس الأسبق جون كينيدي ثم أسلوب خلفة ليندون جونسون في مقاربة أوضاع الشرق الأوسط وقضية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وآليات العلاقات العربية ـ الأميركية بشكل عام : كان كنيدي رئيسا مثقفا ومن ثم بدأ يقترب من قضية الصراع العربي ـ الصهيوني اقترابا فيه محاولة للفهم يشهد بهذا مثلا الرسائل الشهيرة ـ المنشورة ـ المتبادلة بين الرئيسين كينيدي وجمال عبد الناصر في مستهل عقد الستينيات) هذا في حين ان جونسون كان يتصرف بأسلوب راعي البقر، بما ينطوي عليه ذلك من فظاظة السلوك وخشونة التعامل وعدم الاكتراث بالآخرين لا عجب مثلا ان جاءته أخبار انكسار العرب أمام القوات الاسرائيلية في يونية 1967 فاذا به يقول : هذا أحسن خبر سمعته في حياتي. على نفس المنوال.. كان كارتر رجلا شديد التدين فحاول ان يطل على الصراع بروح المبشرين في حين ان جاء رونالد ريجان مجردا من الثقافة، مختالا بالجبروت الأميركي فلم تنل قضايا الشرق الأوسط منه ما كانت تستحقه من جدية الاهتمام. وربما يتحلى عامل الشخصنه الذي ذكرناه كأوضح ما يكون عندما نقارن بين أسلوب بيل كلينتون وقد كان بدوره رئيسا ذكيا فاهما وطامعا في تحقيق انجاز قد يفضي به الى جائزة نوبل ويطهر من خلاله تركته التي لطختها بقع السواد بفعل انحرافات السلوك وفي كل حال فقد أعطى الرئيس السابق بشكل لافت للنظر وقتا طويلا واهتماما عميقا لقضية الشرق الأوسط وهو ما فعل الرئيس الحالي جورج دبليو بوش عكسه تماما وكان بوش في ذلك النهج يتبع بنود أجندة السياسة الخارجية التي سبق الى وضعها وبلورتها فريق مساعديه وكان على رأسهم ـ كما هو معروف ـ كوندوليزا رايس أستاذة العلوم السياسية التي ربما تعلمت نهج التشدد الى حد التصلب من خلال تخصصها في علم الدراسات الروسية في ضوء هذه الخلفية ينبغي لاهل السياسة في وطن العرب ان يستعدوا لرصد السباق الرئاسي الأميركي وقد كاد يصبح على الأبواب. قالت واشنطن كوارترلي وحين صدر العدد الجديد من دورية أميركية عميقة النفوذ بادر كاتبها الأول الى نشر مقال ينبه فيه الى اقتراب هذا السباق المشهود واختار للمقال عنوانا موجها بالتحديد الى الساسة الطامحين والطامعين وعاقدي الآمال العراض على الفوز بالمنصب الأول في أميركا ـ هذا الذي يضفي على شاغله اللقب الذي صاغه دهاقنة الميديا وسدنة العلاقات العامة وهو: أقوى رجل في العالم. الدروية هي مجلة واشنطن كوارترلي عدد صيف 2002 وهي تستمد أهميتها من كونها الصوت المعبر فكريا عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أما الكاتب فهو تشارلس كوك الذي اختار لمقاله الذي المحنا اليه العنوان التالي: حضرات السيدات والسادة بادروا الى تشغيل محركاتكم (بمعنى ابدأوا العمل). الكاتب الأميركي لا تفوته ملاحظة الزيارات التي لا يفتأ يقوم بها عدد من زعماء الحزب الديمقراطي الى ثلاث ولايات أميركية على وجه الخصوص وهي: أيوا ونيو هامشاير ثم كاليفورنيا. والتفسير معروف.. فالولايتان الأولى والثانية تشهدان عادة جولة الانتخابات المبدئية ومن خلالها يتعرف المرشحون على اتجاهات الريح. وما اذا كان هذا النائب أو هذا السيناتور المرشح سوف يمضي في الشوط أو يكتفي من الغنيمة ـ كما يقولون بالاياب ـ خاصة وأن الترشيح والسباق الانتخابي دونه تكاليف باهظة وصلت مؤخرا الى خانة الصفرين أنفق عمدة نيويورك الجديد ـ المنتخب في مستهل العام الحالي نحو 100 مليون دولار للفوز بالمنصب خلفا للعمدة السابق الايطالي الأصل رودلف جولياني. وهذه التكاليف الفادحة تقود الى تفسير الزيارات المتكررة الى كاليفورينا لا بوصفها أغنى أو من أغنى الولايات وحسب، ولكن لأنها مشهوره بسخاء التبرع لصالح صناديق المرشحين حيث تتعدد فيها المؤسسات والمصالح الفئوية والخصوصية التي تقدم تبرعاتهم وتدعم هذا السياسي أو ذاك من باب المراهنة على وجوده في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ناهيك في رئاسة البيت الأبيض وهو من بعد لا ينسى المؤيدين ـ المتبرعين بالذات ـ وهو وآلته الحزبية كفيل برد الجميل أضعافا على شكل تعينيات في مناصب كبرى أو تمريرات وتيسيرات تعود على الجهات المتبرعة بالربح الوفير. مأساة الديمقراطيين ان الكاتب تشارلس كوك يعرف تماما ان القرار النهائي الذي قد يتخذه «عبده الأميركاني» المشتاق الى المنصب الرفيع ـ لن يتم قبل موسم الكريسماس مع أواخر العام الحالي ـ الا أنه يلاحظ ـ على نحو ما يرد في مقالته ـ ان هناك ساسة ديمقراطيين يسبرون الأغوار ويختبرون ـ كما يقول ـ درجة حرارة الماء كما يحددون بدقة معقولة من حيث التنبؤ السياسي درجة التحمس وحجم المصالح على المستويات القومية (الاتحادية) والجهوية ( الولاية) وأيضا بين صفوف أركان الحزب نفسه وصفوف كبار المتبرعين المحتملين.. فضلا عن التعرف بالذات على الأفراد الذين يوصفون عادة بأنهم مفاتيح انتخابية من قادة الرأي المحليين أو الزعمات الدينية أو الفئوية أو الاثنية ـ حراس البوابات الذين يحوزون ثقة قواعدهم الجماهيرية، فان استطعت ان تؤثر فيهم، فأنت بذلك تضمن بحد معقول ـ امكانية التأثير في جموع حاشدة من الناخبين. في هذا الاطار يشير تشارلس كوك ان اسم السياسي الديمقراطي ـ النائب السابق لرئيس الجمهورية، آل جور مازال مطروحا على قائمة مرشحي الرئاسة المحتملين ـ خاصة وقد خسر الرجل بفارق غريب وغير مسبوق في تاريخ السباق الرئاسي بالولايات المتحدة وهو 537 صوتا من المواطنين العاديين من ناخبي ولاية فلوريدا وخسارة أخرى بفارق صوت واحد صنع تراجيديا الهزيمة هو صوت قاضي من قضاة المحكمة العليا أدى الى ترجيح كفة خصمه الجمهوري جورج دبليو بوش ورغم هذه الهزيمة المحزنة بل المأساوية التي مني بها الديمقراطيون وقد كانوا كما رأيت قاب قوسين أو أدنى من كرسي الرئاسة الأول، فقد ظل ساستهم يراهنون على أوضاع وطروحات متعددة تعليلا لأنفسهم بأن ما فاتهم في تلك الانتخابات يمكن تعويضه بعد سنوات الولاية الأربع. ويومها قال قائلهم : فلينظر الناخبون الأميركيون في أمر بوش الابن وقد أصبح رئيسا للبلاد بغير تجربة سياسية ولا تاريخ من خبرة أو سعة من علم أو زاد يعتد به من ثقافة غاية ما بلغه ان كان حاكما لتكساس وهي ولاية مازال لأسرته فيها نفوذ بوصفها أولا أسرة تتعاطي الشأن البترولي بكل ما يعنيه ذلك من أرباح طائلة وتأثير عميق على صنع قرارات الاقتصاد والسياسة ( البترول سلعة استراتيجية) ومن علاقات دولية متعددة ومتشابكة، ثم بوصفها أسرة اشتغلت بالسياسة أبا عن جد شغل أفرادها مقاعد النيابة في الكونغرس الى ان وصل بوش الاب الى البيت الأبيض فأمضى به 12 عاما منها 8 أعوام نائبا للرئيس و4 أعوام رئيسا لفترة ولاية واحدة. أضاف الديمقراطيون أيضا ان مرشحهم السابق جور مازال في سن معقولة ـ منتصف الخمسينيات من عمره بما يجدد أمله في معاودة فرصة الترشيح عام 2004. لكن تشاء الأقدار ان تحدث قارعة 11 سبتمبر سنة 2001 وتتغير بها الموازين وفي مقدمتها ما عبرت عنه أدبيات السياسة الأميركية حين قالت: لكأن جورج دبليو بوش قد اتيحت أمامه فرصة أن.. يولد.. من جديد. والى الجزء الأخير من هذا الحديث. ـ كالتب سياسي مصري