العلاقة الايجابية التي تطورت بين بعض زوار المواقع الالكترونية ذات رسالة التثقيف والتوعية من موقع التلقي والاستقبال، الى موقع المشاركة بالرأي تستحق ان تنال شيئاً من الاهتمام والدراسة.، خاصة وان هذه المواقع استقطبت اعداداً وفيرة من الزوار، وفتحت لهم المجال ليعبروا عن قناعاتهم وآرائهم دونما قيد أو حاجز. وقد صنع هؤلاء صورة جيدة لزوار هذه المواقع حيث تفاعلوا مع القضايا المطروحة، وساهموا في التعبير عن رأيهم، وخاضوا تجربة الكتابة الحرة، كل ذلك بتلقائية وعفوية اكدت للمتابع بان كثيرين من افراد الشعوب العربية مازالوا يمتلكون الاحساس المرهف تجاه قضاياهم الرئيسية، وانهم ليسوا ـ كما يشاع عنهم انسحابيين وسلبيين تجاه ما يجري في العالم او ما يجري في مجتمعاتهم. هذه الايجابية اذن لها حضورها ولها اداؤها الخاص، غير ان هناك ملاحظة عامة اردت تسجيلها من اجل اثراء تلك الساحة الثقافية الواعدة، ورغبة في تحريك الاذهان باتجاه ترشيد أداء تلك الاقلام التي بدأت في طرق باب التعبير عن الرأي منذ فترة من الزمن قصيرة، وتحتاج الى بعض الاقتراحات كنوع من الدعم والمساندة. الملاحظة العامة التي تظهر على السطح هي شيوع اللهجة الخطابية الحماسية على العديد من تلك الكتابات بحيث يصطبغ المقال المكتوب بصبغة عاطفية تهدف الى شحن القاريء بمشاعر الغضب العارم تجاه خطأ ما، او مشكلة معينة ثم اذا انتهى القاريء من قراءة ما كتبته تلك الاقلام لم يجد امامه فكرة عملية واحدة ليتحرك بها في محيطه الخاص غير شيء واحد تعلمه من تلك القراءات هو ان يكون شخصاً انفعاليا هجومياً يعتقد دائماً ان ثمة خطراً قادماً ولو كان هذا الخطر لا يتجاوز حجمه عشر معشار ما صورته تلك الاقلام الحماسية. ومع كون الحماس والعاطفة تجاه القضايا العامة يعتبر شيئاً له قيمته وميزته بل وجاذبيته كذلك إلا ان الاتكاء على العاطفة دون بذل الجهد في استقصاء الحقائق، وتوفير الادلة يعتبر تقصيراً وخللاً في منهج الكتابة والبحث. ان التفكير المنطقي الهاديء هو الذي يولد جودة الافكار، وسلاسة اللغة، وهدوء المناقشة، والابتعاد عن التوتر والانفعال. واؤكد هنا على اهمية الابتعاد عن اللهجة الخطابية الحماسية في مشاركات الانترنت التي لها روادها الذين تتفاوت مستوياتهم الفكرية، وتتفاوت مفاهيمهم حول الاسلوب الاكثر تأثيراً في الجماهير. مما قد يؤدي الى شيوع مثل هذا النمط الحزين الثائر ورسوخه في اذهان الشباب وهو نوع من التسطيح واخلال برسالة الكلمة التي تفرض على صاحبها ان يكون مصباحاً مضيئاً للناس يضع عقله في خطابه، وثقافته الناضجة في كل كلمة يكتبها للناس. وطالما ان هناك تكريسا للهجة الخطابية التي لا تستند على الرأي القوي، والدليل الواضح في الموضوع الذي تتطرق اليه فان طابوراً من المقلدين سينشأ على يد تلك الكتابات السريعة الطلقات والتي تعتمد فقط على النية الحسنة والغيرة على المجتمع. فالنية الحسنة لا تكفي وحدها لكي تصنع فكراً مشرقاً دون ان يصاحبها خطوات جادة لصيد الافكار الثمينة وتقديمها للناس بعناية واهتمام. والغيرة على المجتمع ان لم يصاحبها رؤية واسعة في كيفية البناء واستدراك الاخطاء بالحكمة واللباقة والذوق فان الاخطاء ستتضاعف بدلاً من ان تقل وتنخفض. وحتى لا يكون الامر مجرد تفريغ للشحنات العاطفية فان الابتعاد عن الانفعال الزائد والاحكام المسبقة والنظرة التجريمية لكل شيء تعد خطوات لازمة على طريق البناء.. اقولها وبشدة.. النوايا الحسنة أرضية قوية لبنيان راسخ لو صاحبها منهج علمي ويقظة ذهنية وهدوء وثقة بالنفس وبالخير الذي لدى الآخرين.