زمان.. كان من الشائع في موالد مصر منظر الفه الناس وتعودوا عليه، هو منظر ذلك الرجل الذي يعتلي كرسياً وسط جموع رواد المولد المتزاحمة، والذي يحيط به عادة جمع من الناس البسطاء، شدهم إليه نداءاته المتكررة والمنغمة والتي تبشر الواقفين بـ «شربة الحاج محمود»، قاهرة الامراض وشافية الاوباء، ويستمر الرجل في كشف فوائد الشربة الساحرة التي تشفي من سبعين داء وداء.. دون الحاجة لطبيب ولا لدواء، مؤكداً على فوائدها الجمة رغم سعرها الرخيص الذي قد لا يتجاوز بضعة قروش..! مع مرور الزمن.. وتطور العصر.. وانكشاف حقيقة «شربة الحاج محمود» التي ليست في واقع الامر الا ماء قراحاً مضافاً اليه بعض السكر او العسل الى جانب الملونات التي تعطيه لون الدواء، فانه وحتى اليوم مازال هذا «الحاج محمود» مجهولاً لا يعرف احد اصله ولا فصله.. ولا ثقافته ولا خبرته..، واصبح هذا «الحاج محمود» رمزاً للدجل العلمي.. وللنصب باسم الدين الذي يؤكده لقب «الحاج» تطميناً للناس وتأكيداً على امانته وحسن نواياه..! اليوم يعود الينا «الحاج محمود2000» ابن القرن الجديد، لا يعود بشربة ولا دواء، ولا يعلن عن بضاعته في الموالد وبين بسطاء الناس، بل تتصدر الدعوة له ولبضاعته كل وسائل الاعلام.. عربياً وغربياً، وان كان السوق العربي هو المعني اولاً.. والانسان العربي هو المستهدف ثانياً، وهو المدعو الى «شرب» بضاعة «الحاج محمود» الجديد..! وكما كان مروج «شربة الحاج» في قديم الزمان يقف وسط جموع المخدوعين، مستخدماً كل وسائل الاقناع للضحك على ذقونهم، مردداً نداءه الملح «قرّب.. قرّب.. قرّب» مكرراً عبارات مؤثرة من نوع «صلوا ع النبي».. و«اللي يحب النبي يقرب ويشتري»..الخ..الخ، فان مروجي بضاعة «الحاج محمود» الجدد يقفون على منابر الاعلام وفي المؤتمرات الصحفية داعين السذج الى «شرب» ما يقدمون لهم من بضاعة تحمل اسم «مبادرة»، واذا نحن ادخلناها في نفس السياق السابق، فنستطيع ان نطلق عليها اسم «مبادرة الحاج محمود»، وهي في هذه المرة تخرج من اطار الدجل الطبي.. الى اطار الدجل السياسي، وهي في كلتا الحالتين تصنف باعتبارها «شربة».. قد تسبب مغصاً.. او اسهالاً.. او تسمماً في بعض الاحيان..! الجديد هو انه اصبح لدينا اليوم اكثر من «حاج محمود».. يحمل كل منهم مبادرته ويسوقها للعرب مؤكداً كما كان يؤكد من سبقوه من رواد «المولد» انها تشفي من سبعين داء وتحقق «السلام» مع العدو الاسرائيلي في اقصر وقت، وان مفعولها عجيب في انهاء المقاومة.. واقناع الاسرائيليين بفوائد السلام.. ومنافع قيام الدولة الفلسطينية.. ومزايا التعايش السلمي مع جيرانهم العرب، رغم ان من يتعاطى دواء المبادرة هم العرب وليسوا الاسرائيليين!! «الحجاج» محمود الجدد يدركون قبل غيرهم ان مايروجون له ليس دواء وليس شافياً.. وليس الا تمويها ونصبا وضحكا على الذقون، بدليل انهم يقدمونه للسليم العربي وليس للمريض الصهيوني، والا فعليهم الذهاب الى تل أبيب حيث من يحتاج الى دوائهم.. اذا كان حقيقة دواء..! مبادرة.. او مبادرات «الحاج محمود» لم تفلح الدعوة لها على جميع فضائيات العالم العربي في استغفال من تصور البعض انهم سذج.. وانهم سيشربون كل ما يقدم لهم على انه دواء ناجع، فقد شربوا الكثير من المبادرات والاتفاقيات والمعاهدات ولم ينلهم منها الا وجع البطن ووجع الدماغ، ومع ذلك فمازالت المبادرات تتوالى.. ومازال «الحاج محمود» على تعدد اشكاله والوانه مصراً على الظهور على شاشات التلفزيون.. متحركا من يوم لآخر بين مختلف العواصم العربية.. عابرا المحيطات الى البيت الابيض وكل البيوت الاخرى على اختلاف الوانها، داعيا.. مروجاً.. مغريا الجميع بتجرع «شربته» السياسية رغم سقوط العديد من ضحايا هذه «الشربة» ممن خدعهم نداءه اللحوح.. «قرب.. قرب.. قرب»!! انتهى عصر «شربة الحاج محمود».. وعما قريب سينتهي عصر «مبادرة الحاج محمود»، فالحاج محمود القديم والحاج محمود الجديد حاول كل منهما استغفال الناس، وكلاهما قدم لنا دواء مزيفاً ان لم يضر فإنه بالتأكيد لن ينفع، وكلاهما كذب عامدا متعمدا ليتجمل ويجمل معه «شربة الدود» التي اغرانا بتجرعها بدعوى انها تشفى سبعين داء ان لم يكن اكثر، وكلاهما بعد كل ذلك سيصبح هو و«شربته» في خبر كان ـ واخواتها ـ، فلا يصح الا الصحيح.. .. وكل «حاج محمود» وانتم طيبين..!!