أفق خفيف الظل هذا السحر نادى دع النوم وناجي الوتر فما أطال النوم عمراً ولا قصر في الأعمار طول السهر هذا بيت شهير من أبيات رباعيات الخيام التي ترجمها شاعر «الشباب» أحمد رامي فأضفى عليه من روحه الشاعرة ما جعله يسير بين الناس مسير المثل وذلك من سحر الشعراء وحسن بيانهم، وقولي الشعراء لا أعني به كل من كتب أو نظم شكل الشعر فالشعر شكله واضح معروف يمكن لكل مقلدٍ مقطع لأوزان الشعر أن يتمثلها ويكتب على غرارها. غير ان الشعر الذي اعنيه هو ذلك الشعر الذي يحمل الشاعرية التي هي سر الشعر الذي لا يمكن لأحد ان يتعلمه لانه لا يتعلم وقديما قالوا ثلاثة لا يمكن تعلمها الكرم والشجاعة والشعر، والكرم سمة لا يمكن اكتسابها لانها فطرة العطاء والبذل دون انتظار مقابل وكذلك الشجاعة التي هي بذل النفس دون التفكير في العاقبة. وقد يقول قائل قد يصدق ذلك على الكرم والشجاعة ولكنه لا يصدق على الشعر فلطالما عرفنا من لا يعرف الشعر ثم تعلم أوزانه وقوافيه ولغته العربية وكتب القصائد الطوال. والجواب على ذلك ان ذلك في الحقيقة لم يتعلم حقيقة الشعر بل تعلم ظاهره المنظوم الموزون المقفى، اما باطنه وهو ذلك الاثر العجيب الذي يحدثه الشعر الجميل او تلك الهزة الشعورية التي يتركها الشعر في النفس فانها لا تتعلم ابداً وقد انتبه اليها الشاعر العربي فقال: اذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس حريا أن يقال له شعر المهم ان البيت الذي اوردته في بداية هذه الأسطر أزعم انه من تلك الابيات التي تحدث مثل تلك الهزة الشاعرية السرية التي تميز بها أحمد رامي فنفثها من روحه في ترجمته لرباعيات الخيام. لكن مع اعتقادي ان هذا البيت من الابيات التي تحدث تلك الهزة الشعرية في النفس حال سماعنا له الا انني ازعم كذلك ان البيت من الابيات التي اشاعت عند كثير من اهل الفهم الظاهري للشعر اثراً سلبياً اذ يفهم اكثر الناس ولا يلامون على ذلك ان عمر الخيام يدعو الناس إلى ترك النوم والسكن في الليل واقامة الليل مع اللهو والسهر ومناغاة أوتار الطرب فإن كثرة النوم لا تطيل الاعمار والسهر لا يقصرها. وذلك فهم في ظاهره صحيح وقد كان له عظيم الاثر في توجيه كثير من هذه الأمة إلى اللهو والعبث واقامة لياليهم سهراً وطرباً. الأثر أتدرون ما الذي فعله مثل هذا البيت الجميل في صياغته السييء في فهمه على انه ترك الدنيا والنوم والعمل على احياء الليل سهرا وطربا، لقد جعل هذا الفهم الامة لاهية ساهية تقيم ليلها وتنام نهارها وغيرها من الامم تعمل وتصنع وتنتج حتى غزتنا واستعمرتنا وجعلتنا تبعاً لها في كل امرٍ حتى لباسنا واساليب طعامنا وشرابنا حتى تحقق فينا قول نبي الامة عليه الصلاة والسلام «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». فهم آخر ولو شئنا لفهمنا بيت الخيام ذلك فهما اجمل وارقى من الفهم السابق ذلك المحبط المثبط فلو شئنا فهمناه على اننا لابد لنا ان نطرح عنا النوم عموماً والاستسلام للدعة والرقاد وعمدنا إلى استقبال الحياة بمناجاة لأوتار الجمال والابداع فيها فإن الراحة والدعة لا تطيل عمرا والسهر في طلب المعالي مستحضرين في اذهاننا القول الحكيم «من طلب العلا سهر الليالي». الفهم السقيم وهكذا فإنه قد يكون للقول الواحد فهمان فهم جميل وفهم سقيم لذلك قال أبوالطيب المتنبي: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم ومن الفهم غير السقيم ان لا تأخذ معاني المقولات على عواهنها دون معرفة بما يعين على فهمها من أحوال قائليها والظروف التي قيلت فيها ومما يعين على الفهم الصحيح الجميل لمثل بيت الخيام معرفتنا بأن الخيام ليس بالماجن السكير العربيد كما يشاع عنه ويؤكد ذلك ان من قرأ سيرته عرف انه عالم من علماء الفلك والرياضيات وله من المؤلفات الكثير والكثير وله من النشاط العلمي والسياسي ما كان شاغلاً له ليله ونهاره عن العربدة والمجون وما اشعاره الا من تلك الاشعار التي لها وجهان من المعاني يرجح معناها الحسن ما قدمنا من شخصيته وسلوكه العلمي والعملي.