شنت الفصائل الفلسطينية، خلال الأيام الماضية، سلسلة جديدة من عمليات المقاومة المسلحة التي استهدفت العسكريين والمستوطنين، في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي المدن الإسرائيلية ذاتها. وقد أدت هذه العمليات، التي شارك في تنفيذها فدائيون من منظمات فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية ، إلى مصرع 58 إسرائيليا، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر الجاري، منهم 10 من المستوطنين و17 من العسكريين و31 في عمليات استشهادية نفذت في حيفا والقدس، كما أدت، هذه العمليات إلى إصابة المئات منهم بجروح، لذلك رأت صحيفة معاريف (206) في هذه الموجة من العمليات المسلحة بداية مقاومة جديدة بقولها: «بعد اقل من ثلاثة اشهر من بدء عملية «السور الواقي» عاد الإرهاب الفلسطيني ليجبي ثمنا لا يطاق. وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت قد أشارت، في عددها يوم285، بأنه منذ انتهاء عملية «السور الواقي» في 274 وحتى أواخر شهر مايو قتل 27 إسرائيليا في عمليات للمقاومة الفلسطينية، وأنه جرت 40 محاولة تنفيذ لعمليات نجحت قوات الأمن في إحباط معظمها. نتيجة عكسية المهم أن هذه الموجة من عمليات المقاومة تؤكد مجددا على فشل الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل، أواخر مارس الماضي، بهدف وأد المقاومة الفلسطينية وتطويع الشعب الفلسطيني، إذ قتل 150 من الإسرائيليين منذ بدء هذه الحملة وحتى أواخر يونيو الجاري، كما تؤكد هذه الموجة على عقم الحلول الأمنية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، للتهرب من الحلول السياسية، عن طريق بناء الجدار العازل أو إعادة الاحتلال، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى فإن هذه الموجة من المقاومة تؤكد قدرة المقاومين الفلسطينيين على استعادة نشاطهم وحيويتهم بفضل اكتسابهم الخبرة والمران اللذين يمكنانهم من تجاوز الضربات القاسية التي تعرضوا لها، إبان الأشهر الثلاثة الماضية، كما تؤكد على الاستعداد العالي للتضحية لدى الشعب الفلسطيني. ويؤكد ناحوم برنياع (محلل إسرائيلي) هذه الحقيقة بقوله: «إرهاب الانتحاريين يستطيع تجاوز ليس حواجز الجيش وحسب بل أيضا النشاطات الوقائية التي قام بها الجيش في مناطق أ. لا يجب طرح توقعات مبالغ بها بشأن الجدار الذي تم البدء ببنائه هذا الأسبوع في أطراف الضفة الغربية مقابل الخط الأخضر، لقد اثبت الجيش انه يعرف كيف يحرك المستنقع ولكنه لا يعرف كيف يجففه، لذا فالمطلوب قرارات سياسية أو تدخل قسري من الخارج أحرونوت. من جانب آخر فقد ذكرتنا هذه الموجة من العمليات بالموجة النشطة من عمليات المقاومة المسلحة التي حفل بها شهر مارس الماضي، قبيل شن إسرائيل لحملة «السور الواقي»، إذ لقي في هذا الشهر حوالي 130 إسرائيليا مصرعهم، وهو عدد يساوي نحو أكثر من ثلث القتلى من الإسرائيليين، خلال فترة الانتفاضة، وبحسب معاريف فإن «هذا الرقم هو أعلى رقم للخسائر تكبدتها إسرائيل في شهر واحد باستثناء أيام الحرب، وكان من بين القتلى، آنذاك، 36 من رجال الأمن و86 مدنيا، وفي عمليات انتحارية قتل 74 شخصا ومن جراء إطلاق الرصاص قتل 41، وطعنا بالسكين قتل 2 وبنتيجة انفجار عبوات عادية قتل 5 من الإسرائيليين». وفي محصلة إجمالية فإن الإحصائيات الإسرائيلية تشير إلى أن عمليات المقاومة المسلحة خلال العام الأول من الانتفاضة، من أواخر سبتمبر 2000 إلى أواخر سبتمبر 2001، أدت إلى مصرع 164 إسرائيليا، من ضمنهم 97 من المستوطنين والعسكريين (منهم 72 مستوطنا) قتلوا بالرصاص في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حين قتل 59 منهم بنتيجة 9 عمليات استشهادية (من أصل 12 عملية) داخل الأراضي الفلسطينية المغتصبة في العام 1948، ومن بين مجموع القتلى الإسرائيليين ثمة 51 جنديا وضابطا لقوا مصرعهم في العام الأول للانتفاضة. وطوال الأشهر الماضية من العام الثاني للانتفاضة، من سبتمبر 2001، حتى يونيو الجاري، حيث تصاعدت عمليات المقاومة، سقط نتيجة المقاومة 386 إسرائيليا، وهكذا بلغت حصيلة القتلى الإسرائيليين 550 قتيلا إسرائيليا، منذ بدء الانتفاضة، منهم 320 من المستوطنين والعسكريين في الضفة والقطاع المحتلين(ضمنهم 175 عسكريا)، و230 إسرائيليا في عمليات استشهادية، هذا فضلا عن إصابة حوالي 4000 إسرائيلي بجروح. وللعلم فقد بلغ التناسب بين عدد الشهداء من الفلسطينيين والقتلى من الإسرائيليين، في العام الأول من الانتفاضة 14، أي أنه مقابل كل أربعة شهداء فلسطينيين ثمة قتيل إسرائيلي، في حين بلغت النسبة في العام الثاني للانتفاضة 13، ما يعني بأن الفلسطينيين استطاعوا تقليص النسبة بينهم وبين الإسرائيليين، هذا أولا، وثانيا فغن ذلك يعني بأن عدد القتلى من الإسرائيليين تضاعف عدة مرات، في هذه الفترة، لاسيما بعد انهيار إعلان وقف إطلاق النار، في منتصف شهر يناير من العام الجاري، الذي كان قد أعلنه الرئيس عرفات والفصائل الفلسطينية في منتصف الشهر الأخير من العام الماضي (2001)، إذ بلغ عدد القتلى من الإسرائيليين، خلال الفترة من 141 حتى نهاية مارس، من العام الجاري، 170 قتيلا، أي اكثر قليلا من عددهم طوال العام الأول للانتفاضة، منهم 130 قتيلا إسرائيليا في شهر مارس الماضي، لوحده. معادل نسبي ما نريد تأكيده، من هذا العرض لحصيلة كفاح المقاومة المسلحة هو التركيز على حق الشعب الفلسطيني الذي لا جدال فيه في المقاومة وأهمية دور المقاومة في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وإيجاد معادل نسبي لجبروت إسرائيل وبطشها وصولا لزعزعة استقرارها من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، من جهة ومن الجهة الثانية نود أن نؤكد هنا، أيضا، على مخاطر المبالغة في الارتهان لخيار المقاومة المسلحة، لوحده، بمعزل عن أشكال المقاومة الشعبية، ليس لأن موازين القوى في المجال العسكري هي لصالح إسرائيل، فقط، وإنما لأن إسرائيل ذاتها تحاول استدراج الفلسطينيين إلى الملعب الذي تتفوق فيه والذي يناسبها، أي إلى المواجهة العسكرية البحتة، التي توحي، ربما، بأنه ثمة صراع بين طرفين عسكريين ومتكافئين! ففي ظل مواجهة كهذه يمكن لإسرائيل أن تغطي حملاتها الوحشية والتدميرية، ضد الفلسطينيين، وأن تحجب واقع الاحتلال الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني وأن تطمس، على الصعيد الدولي، الفوارق بين الضحية والمعتدي، مستغلة الأجواء الهستيرية الدولية المتعلقة بالحرب على ما يسمى بالإرهاب. وفضلا عن كل ما تقدم فإن الفلسطينيين في مواجهات عسكرية بحتة، لا يستطيعون أن يلحقوا أذى بالإسرائيليين بالقدر الذي يلحقه هؤلاء بهم سواء في الخسائر البشرية والاقتصادية أو في البنى التحتية والخدماتية، خصوصا وأن الفلسطينيين معنيون بخوض المعركة على جبهتين الأولى في مواجهة إسرائيل، والثانية في بناء كيانهم الوطني، ومعلوم أن إسرائيل تحرص كثيرا على استنزاف قدرات البناء الفلسطينية في ظل معركة عسكرية، وهو ما حصل. ويستنتج من ذلك أن القيادة الفلسطينية (سواء في السلطة أو في المعارضة) ينبغي أن تكون حريصة جدا على تفويت هذه الاستهدافات الإسرائيلية من خلال عدم التفريط بطاقات الشعب الفلسطيني من خلال الزج بها مرة واحدة في معركة حاسمة، غير متكافئة وغير محسوبة سياسيا، لأن إطالة أمد المعركة هو الذي يمكن الفلسطينيين من كسب الجولات بالنقاط، لاسيما وأن التجربة أثبتت بأن الفلسطينيين، لوحدهم، قادرون على زعزعة استقرار إسرائيل السياسي والاقتصادي والأمني ولكن دحر الاحتلال وهزيمته، يحتاجان، إضافة إلى المقاومة الفلسطينية، إلى معطيات عربية ودولية مناسبة، وهي غير متوفرة الآن كما هو معروف. في هذا السياق يكفي أن ندرك هنا بأن عدد القتلى من الإسرائيليين بلغ خلال الانتفاضة الأولى، التي استمرت ست سنوات 383، بمعدل سنوي قدره 64 قتيلا إسرائيليا، وأن عدد القتلى من الإسرائيليين في جنوبي لبنان، بنتيجة عمليات المقاومة اللبنانية بلغ 850 قتيلا على امتداد 18 عاما، بمعدل سنوي قدره 47 قتيلا إسرائيليا، في حين أن المعدل السنوي للقتلى الإسرائيليين في ظل الفعاليات المسلحة لانتفاضة الأقصى بلغ 300 قتيل إسرائيلي، ما يعني بأن تحقيق النتائج لا يتوقف، فقط، على عدد القتلى من الإسرائيليين وإنما يتوقف أيضا وأساسا على امتلاك القدرة على الاستمرار بتصعيب معيشتهم وزعزعة استقرارهم، أولا، وتوليد المعطيات السياسية المناسبة لدحر الاحتلال دوليا وإقليميا، ثانيا. المعنى، من ذلك أخيرا، أن الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة لتحقيق التوازن والتكامل بين استراتيجيته السياسية واستراتيجيته العسكرية لأن الخلل بينهما يمكن أن يعود عليه بمضار كثيرة، كما أنها تهدر طاقاته، وتضعه في مواجهة غير محسوبة النتائج. ـ كاتب فلسطيني