تباشر وزارة «الدفاع» الاسرائيلية منذ منتصف يونيو الجاري، تنفيذ جدار فاصل بمحاذاة ما يسمى بالخط الأخضر الذي يميز أراضي فلسطين المحتلة 1948 ، عن تلك المحتلة 1967، وسيبلغ طول هذا الجدار عند اكتمال مراحله المختلفة مئات الكيلومترات بارتفاع لا يقل عن خمسة أمتار. وكي تتعزز وظيفته الأمنية المفترضة، فسوف يزود بخنادق على الجانبين وبأسلاك شائكة وأجهزة مكهربة ومعدات للإنذار المبكر وأبراج للمراقبة. وللمفارقة، فإن القوى الموصوفة بالتطرف اليميني، وبعضها مشارك في حكومة مجرم الحرب أرييل شارون، هي التي تبدي معارضة وانتقادات حادة لهذه الخطوة، باعتبارها إعادة ترسيم لحدود 1967 وكناية عن الموافقة على التصور العربي لإقليم الدولة الفلسطينية. هذا في حين ترحب القوى العمالية واليسارية بهذا «السياج الأمني»، كونه يؤكد نظريتها القائلة بضرورة التمييز ما بين اليهود والعرب الفلسطينيين، حفاظا على نقاء الدولة اليهودية. ومفهوم النقاء هنا هو الاسم الحركي للأبعاد العنصرية التي تستبطنها هذه النظرية. وهكذا، يلتقي معارضو الخطوة ومؤيدوها داخل التيارات السياسية الاسرائيلية عند أهداف خبيثة. المعارضون يخشون أن يحول السور العتيد بينهم وبين مخططاتهم التوسعية، ويعمد بدون قصد حدود دولة فلسطينية لا يودون رؤيتها بالجوار. والمؤيدون يتطلعون الى دولة يهودية صرفة وفقا لفروض الصهيونية السياسية ونصوصها الاولى. حسابات متشنجة غير أن هذا التناظر والجدل يبدو مفتعلا. فالذين أشرفوا على مشروع السور، أخذوا في حساباتهم بمنظوري هذين الفريقين.. لأن السور المزمع سيتلوى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة مقتطعا مئات الكيلومترات المربعة للجانب الاسرائيلي، ولن يخلف على ضفته الشرقية سوى بعض المستوطنات الصورية التي لا قيمة لها جغرافيا أو اقتصاديا أو سكانيا بالنسبة للمستوطنين. وهذا يعني أن المشروع لن يتعارض مع أصحاب نظرية التوسع الاستيطاني، بتأكيد احتواء المستوطنات الكبيرة من جهة، وضم أراض أخرى للشطر الاسرائيلي من جهة أخرى. وهو يوافق هوى أصحاب مفهوم الفصل العنصري، لأنه سيضع الفلسطينيين في معازل تجعلهم تحت سيطرة الاسرائيليين رغم عدم التماس المادي بين الطرفين. هذه الحسابات الجهنمية التي تتشح بذريعة الأمن ومنع تسلل المقاومين الفلسطينيين الى العمق الاسرائيلي هي التي تثير الحفيظة الفلسطينية تجاه المشروع فهو بنظر الفلسطينيين يجسد عن حق جريمة متعددة الآثار والانعكاسات. جريمة سيترتب عليها الخصم من كيانهم الجغرافي الذي ارتضوه بصعوبة لدولتهم، وتقطيع أوصال هذا الكيان. وبدلا من الوضع الراهن حيث تقع البؤر الاستيطانية كجزر متناثرة داخل المنظومة الفلسطينية، سوف تصبح المدن والقرى والنجوع الفلسطينية، عند اكتمال السور، مجرد كانتونات مترامية لا يمكن التواصل بينها بدون أذونات وتصاريح اسرائيلية! لو كان سور اسرائيل يستهدي بحدود 1967 ويكرسها لما مثل مشكلة للكيان الفلسطيني بل ونحسب أن السياسة الفلسطينية ما كانت لتعترض على خطوة من شأنها كما يزعم «اليمين الاسرائيلي» تحديد دولتها، لاسيما إن استتبعت هذه الخطوة بسحب التجمعات الاستيطانية الى الضفة الاسرائيلية من الخط الأخضر. لكن الحقيقة أن السور يستهدف عكس ذلك تماما.. ما نفهمه على كل حال أن حديث «السور الواقي» سوف يستغرق بعض الوقت، بحثا عن أسبابه وجدواه الأمنية، وكلفته السياسية والاقتصادية بالنسبة لأيلولة العلاقة بين الاحتلال والمقاومة، وكذا بالنسبة لمصير قضية الدولة الفلسطينية، تكاملها الاقليمي بشكل استثنائي. غير أن هذه الأبعاد لا ينبغي لها أن تشغلنا عن التعبيرات الفلسفية الأعمق التي تنطوي عليها هذه الخطوة. فقبل الشروع في بناء هذا السور أو الحائط الأسمنتي «غير العظيم» بزمن بعيد، كانت الصهيونية بمستوييها الفكري والحركي قد أقامت أسوارا كثيرة داخل عقول ووجدانات يهود العالم. فهي ألحت على تميزهم في مجتمعاتهم ومواطنهم الأصلية الأم، وراحت ترمي الى عزلهم وفرزهم وتمنع ذوبانهم واندماجهم بين يدي تلك المجتمعات والمواطن. السور الأسمنتي الجاري بناؤه في فلسطين، هو بمعنى ما محض تجسيد مادي منظور لعقيدة العزل والفصل المتغلغلة في تضاعيف الصهيونية السياسية. عقلية الجيتو كثير من قراء الصهيونية وشراحها قدروا أنها بمشروعها الاستيطاني في فلسطين، سوف تؤدي الى نتائج شديدة السلبية على يهود العالم، أبرزها: ديمومة النظر الى العناصر اليهودية في مواطنها بعين الاختلاف والتباين، وهذا يعني تقعيد الأسوار المفاهيمية تجاههم من بقية مواطنيهم، وانتقال من يستهويهم هذا المشروع من الجيتوات التي عاشوا فيها مطولا في بلادهم الى جيتو كبير «هو اسرائيل»، بما يرسخ قضية التمايز والاختلاف مقابل المحيط الفلسطيني والعربي والاسلامي الحضاري، وهذا يعني أيضا نشوء أسوار لا حصر لها بينهم وبين تفاعلات ومضامين هذا المحيط. لقد كان الجيتو اليهودي في الأصل مكانا داخل المدينة أو خارجها، محاط بسور له بوابة أو أكثر تغلق عند المساء، وكان من غير المصرح به لأعضاء الجماعات اليهودية في مراحل تاريخية وبعض الدول أن يظهروا خارج هذا السور العالي في مناسبات بعينها، ورغم القيود متعددة الأسماء والأغراض التي خضع لها سكان الجيتوات، إلا أن هذه الحياة كانت خيارا مرغوبا فيه لدى معظمهم. كونها بزعمهم تمنحهم فرص الحفاظ على الكينونة الذاتية والطقوس الخاصة. واذا كان الأمر كذلك، فما الذي فعلته الصهيونية السياسية إذا غير تجميع أو محاولة تجميع هؤلاء كلهم في جيتو دولتها الاستيطانية؟! واذا كانت أسوار الجيتوات التقليدية قد فشلت بزعم الرواد الصهاينة في تأمين التطور الذاتي لليهود في بلادهم الأم، فهل ينجح جيتو الدولة في تحقيق هذا الهدف؟ ألا يجيب مشروع السور الأسمنتي الواقي عن هذا السؤال؟! تقديرنا أن هذا المشروع لا يعاكس فقط دعوى التحرر والانعتاق التي طرحتها الصهيونية لاستقطاب يهود العالم.. إنه أيضا تعبير صارخ عن معاكسة مسار التاريخ الانساني عموما، ففيما ينغمس العالم المعاصر في ظاهرة العولمة وسرعة التواصل، يقيم هذا الكيان سورا عاليا يحجبه عن الآخرين على بعد أمتار منه «متقنفذا» داخله، ولنا أن نتصور أي تعامل يمكن أن يجري بين سكان هذا «القنفذ» ومجاوريهم من الفلسطينيين والعرب. لا ندري في كل حال ما اذا كانت هذه المعاني قد خطرت بذهن أصحاب السور، لكن المؤكد لدينا أنهم يتوسلون بالسور لتحقيق الأمن، بينما سيكون للمقاومة الفلسطينية رأي مخالف، جوهره أن الأمن لا ينال بهذا الأسلوب الانعزالي، وإنما برد الحقوق الى أصحابها والتخلي عن عقلية الجيتو العنصرية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة