لن يتوقف تيار الهجرة العارم الى بلدان أوروبا الغربية طالما ظلت الجامعات والمعاهد والمدارس في المناطق المحيطة جغرافيا بالغرب الاوروبي (العالم العربي وافريقيا وشرق أوروبا) تخرج مئات الألوف سنوياً من شباب بلا أمل في المستقبل. لكن ظاهرة البطالة المزمنة في المناطق المشار اليها، خاصة بلدان المغرب العربي وافريقيا السوداء ليست، رغم أهميتها، السبب الجذري لتيار الهجرة المتعاظم سنوياً، انها مجرد أحد عوارض «المرض». إن السبب الجذري يتمثل في حالة شبه الافلاس المزمن الذي يتفاقم عاماً بعد عام في هذه البلدان مع تصاعد معدل الزيادة السكانية، مما يجعل التفكير في تنمية اقتصادية مخططة ومستدامة غير وارد اطلاقاً. لماذا هذا الافلاس المزمن؟ هذا هو السؤال المفتاحي الذي كان حرياً بأقطاب دول الاتحاد الاوروبي أن يطرحوه على أنفسهم في اجتماع القمة الذي اختتم قبل بضعة أيام في مدينة اشبيلية الاسبانية والنظر في جدول أعمال تتصدره مشكلة الهجرة غير المشروعة وكيفية التصدي لها. لقد تحاشى الأقطاب الاوروبيون في مناقشاتهم المفصلة حول المشكلة هذا السؤال تماماً، لأن أي اجابة عليه سوف تسجل ادانة دامغة لحكومات دول الاتحاد نفسها. ففي قلب مشكلة الهجرة تتربع قضية عبء الديون الخارجية التي ترزح تحتها الدول التي ينطلق منها تيار المهاجرين المتنامي. إن الاقتصاد الوطني في دول المغرب العربي، بما في ذلك الجزائر والمغرب ومصر مع استثناء ليبيا وتونس، يعاني من حالة شلل مزمن وان بدرجات متفاوتة.. وفي بلدان افريقيا جنوب الصحراء بلغت الحالة مستوى الانهيار الشامل للاقتصاد. والسبب الأساسي لهذا التدهور المريع هو ان هذه الدول لم تعد تسيطر على ريع انتاجها الوطني، فعائدات الصادرات تذهب سنوياً بنسبة تكاد تبلغ مئة في المئة الى حسابات الدول والمؤسسات الخارجية الدائنة، وكلها تقريباً دول ومؤسسات غربية. تأسيساً على هذه الحقيقة فإن حكومات أوروبا الغربية لا يجوز لها ان تنسب المسئولية عن الهجرة غير المشروعة الى أي أحد سوى نفسها، ومعها الولايات المتحدة ومؤسسات مالية دولية خاضعة تماماً للسيطرة الغربية كصندوق النقد الدولي. فما لم يتوفر حل ناجز يضع نهاية لمشكلة الديون الخارجية لتخليص الدول الفقيرة منشأ الهجرة من عبئها، فإن مشكلة الهجرة الى أوروبا الغربية لن تزداد إلا تفاقماً. على اننا ينبغي ان نستدرك هنا لنسجل انه بالرغم من ان الاستنزاف المالي المزمن الذي تعانيه الدول المدينة راجع الى اضطرارها للوفاء بما يطلق عليه «خدمة الديون»، إلا ان أنظمة الحكم في الدول الفقيرة تتحمل ايضاً قسطا من المسئولية بسبب انغماس الشريحة الحاكمة في ممارسات الاثراء الذاتي غير المشروع. وفي كل الاحوال فإن النتيجة هي انه لاستحالة وجود أي تمويل كاف لبرمجة تنموية في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات، فإن الاقتصاد الوطني في الدول الفقيرة المشار اليها يبقى عاجزاً تماماً عن توليد أي فرص عمل جديدة، بينما تتضاعف على خط مواز أعداد الخريجين من الشباب سنوياً. ومع تفاقم التداعيات السالبة الأخرى المتصلة بانتشار التدهور الاقتصادي الشامل، مثل الغلاء في السوق الاستهلاكية وتدهور قيمة العملة الوطنية وضعف قوتها الشرائية مع انهيار قطاعات الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة، فإن الشاب الخريج يواجه بمستقبل هو في أفضل الأحوال مجهول ومع تعاظم حالة اليأس بين صفوف الشباب تصبح الهجرة الى الخارج الخيار الأوحد. انها على هذا النحو هجرة اضطرارية تماماً تنطلق من دوافع اليأس في المستقبل وليس من دوافع الطموح الترفي. ولهذا فإن ظاهرة الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا الغربية لن تتوقف في المدى المنظور، إلا اذا وجدت الحكومات الاوروبية من الشجاعة ما يؤهلها لمخاطبة السبب الجذري للقضية. بالطبع هناك عوامل أخرى للهجرة. من ذلك مثلاً ما يتعلق بالشباب العراقي وشباب الأكراد الاتراك فالحالة العراقية تتصل بالعقوبات الدولية والحصار الاقتصادي المفروض على البلاد، والثانية تتصل بالاضطهاد السياسي للأقلية الكردية في تركيا. لكن مثل هذه الحالات تنشأ عن ظروف طارئة مرحلية، فاعادة تأهيل العراق اقتصادياً وحل قضية الأقلية الكردية التركية في وقت ما في المستقبل كفيلان بوضع نهاية دوافع الهجرة. تبقى إذن مشكلة الديون الخارجية السبب الجذري الأوحد. فعلى حكومات اوروبا الغربية ان تختار ما بين استمرار تيار الهجرة واسترضاء مؤسساتها المالية الدائنة.