مرت ذكرى مرور عام على وفاة البنت الكركورة الشرشورة سعاد حسني، وسعاد حسني هي صاحبة أكبر موهبة وأجمل وجه في السينما المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولقد رأيتها قبل احترافها التمثيل. مجرد بنت شابة لم تدرس التمثيل في أي معهد. وبوجهها ملامح جمال غير عادي، أخفاها الهم والغم وسوء الحال. جاء بها عبدالرحمن الخميسي لتقوم ببطولة أول مسرحية في فرقة الخميسي، ولكن لظروف خارجة عن عبدالرحمن الخميسي، أوقف نشاطه المسرحي، وأخذ سعاد حسني، واتجه بها نحو السينما. وفعلا ظهرت في فيلم «حسن ونعيمة» تأليف الخميسي. بطولة سعاد حسني ومحرم فؤاد، ولمعت سعاد في الفيلم وطار صيتها في الآفاق، وأصبحت في الصف الأول من نجمات السينما، وسافرت معها في رحلة الى المغرب ضمن بعثة اذاعة صوت العرب. واكتشفت خلال الرحلة كم تعلمت وكم تقدمت، وكيف استطاع المدرس الذي صار نجما سينمائيا فيما بعد الأستاذ ابراهيم سعفان أن يعلمها نطق الحروف بطريقة سليمة، وكيفية استخدام مخارج الألفاظ، وأخذت سعاد حسني تصعد سلم المجد بسرعة الصاروخ، وعندما اهتم صلاح جاهين بها كوالد كتب لها تحفته اللامعة «خللي بالك من زوزو» وأتيح للعبد لله أن يسهر سهرة طويلة في شقتها الصغيرة بالزمالك مع بعض الأصدقاء، وخرجت من السهرة في الساعة الرابعة صباحا وكنا في شهر ابريل عام 1971، ولم أرها بعد ذلك إلا في عام 1998، وفي لندن وكنت أقطع شارع هارلي ستريت في طريقي الى عيادة الدكتور فايز بطرس، وأخذتها معي، كانت قد تحولت الى سيدة بدينة، وكانت تعيش عيشة متوترة فقد استبد بها هاجس المرض، ولم تكن سعاد مريضة في الحقيقة ولكنها كانت قد فقدت الأمل، هذه البنت الكركورة أصبحت من أصحاب الوزن الثقيل، وستصاب بالارهاق لو حاولت التحديق في ملامحها للربط بينها وبين سعاد حسني القديمة. يا حول الله.. مصائر الناس بيد القدر، وخطواتهم على جناح غراب. ولكن تأثير التغيير الذي حدث كان له أكبر الأثر في نفسية سعاد نفسها. عندما دخلت على الدكتور فايز بادرت بتقديمها اليه، ولكنه لم يدرك أن السيدة الواقفة بجانبي هي نفسها النجمة السينمائية سعاد حسني، فلم تكن هناك أي صلة بين السيدة الواقفة في مكتب الدكتور فايز بطرس والنجمة السينمائية، فسألني على الفور.. هي الست دي راحت فين؟ ما بقناش نشوفها. ونظرت الى وجه سعاد حسني وسألت الله أن يلطف بها، فإنكارها وعدم التعرف عليها كان يصيبها بالهم الشديد. مأساة النجمة الشهيرة عندما لا يشير الناس إليها بالأصابع في الطريق، ولا يتعرفون عليها وهي تجلس امامهم. وعندما تركت عيادة الدكتور فايز بطرس وذهبت الى صيدلية الدجاني، ارتكبت نفس الغلطة وقدمتها للدجاني فضحك ضحكة هستيرية، وقال بصوت عال.. انت هتضحك عليّ. فاهم إنني قاعد في لندن على طول ومش عارف أي حاجة. تركت الاجزاخانة وجلست مع سعاد على القهوة المجاورة، وبعد فترة عاد الدكتور الدجاني يعتذر للسيدة سعاد حسني عن عدم تعرفه عليها في الحال. وقال ان السبب في هذا هو الارهاق. وأنه يعمل بشكل مكثف منذ التاسعة صباحا، ومال على يد سعاد حسني يحاول تقبيلها، وفي تلك اللحظة لمحت دمعة تسبح في بحر عين سعاد حسني. وأدركت أن سعاد حسني تعاني من عملية عدم التعرف عليها وهي المفروض انها نجمة الجماهير. كم قاست الفنانة الرقيقة وكم عانت في مواقف كثيرة، كنت شاهدا على بعضها، كما حدث في عيادة الدكتور فايز بطرس، وكما حدث في أجزاخانة الدجاني. ولذلك كان انتحار سعاد حسني أمرا طبيعيا، يعتقد العبد لله أنه تأخر أكثر من اللازم، لأنها كانت تحلم بالعودة الى التمثيل. وقد سألتني، ما رأيك؟ معروض علي فيلم، فما رأيك.. هل أعالج نفسي أولا، أم أدبر أموري وأقوم بالتمثيل في الفيلم؟ قالت ذلك ثم ألقت بنفسها على الكنبة المجاورة، ولقد اندهشت كثيرا لما ردده البعض بأنها ماتت شهيدة مؤامرة متعددة الأطراف، والأغرب أن البعض جمع الشامي على المغربي، وتكلموا عن مذكرات وذكريات تناولت أسماء لعبت أدوارا سياسية في الماضي القريب، يا سبحان الله، لابد من قصة غليظة وراء انتحار أي فنانة كبيرة. رحمة الله على الفنانة سعاد حسني، دخلت الوسط الفني بالصدفة، واستطاعت الوقوف على رأس الصف الأول من النجمات، وأشاعوا عنها قصصا غريبة، ولكنها في الحقيقة كانت بنت بلد وجدعة وممثلة من الوزن الثقيل، الله يرحمها ويغفر لنا.