سعدت كثيراً ان زاوية الاسبوع الماضي هيجت الذكريات عند العديد من الأعزاء الذين تابعوها وتذكروا تلك الأيام وفتحت أبواباً لمناسبات ومواقف وأحداث كثيرة تم استدعاؤها من مخزن الذاكرة، ومراجعتها باستحضار ما بقي من تفاصيلها وأقول ما بقي منها لأن الذاكرة بمرور السنين تضعف، لهذا يكثر الاختلاف على التفاصيل ويقل الاتفاق عليها. والثابت انه عندما تتزاحم المعلومات في الذهن يصاب الانسان بالنسيان، والأسباب في ذلك مختلفة لعل أهمها تداخل الأحداث والمناسبات وتشابك الصور والقرائن فيستحضر الفرد معلومة ما ويكتشف بعد جهد ومناقشة وحوار ظهور معلومة غيرها، ولأننا لا نلجأ لتدوين الأحداث والمناسبات المهمة في حياتنا بالكتابة، فإننا نكتشف بعد فترة من الزمن ان هناك تفاصيل كثيرة ومهمة لم نعد نتذكرها بصورة دقيقة وذلك لسيطرة داء النسيان علينا. يؤكد العلماء ان مخزن الذاكرة بعيد المدى يستوعب معظم الأحداث التي تمر خلال حياة الشخص من أفراح وأحزان، ومن ضمن المؤثرات التي تتداخل مع عمل الذاكرة، عمر الانسان، حيث ان تدهور الذاكرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمر.. والمعروف عند العلماء ان المخ يفقد حوالي جرامين من الخلايا العصبية في السنة بعد بلوغ الانسان عمر الأربعين وحتى الخامسة والأربعين ترتفع كمية الفقد الى ثلاثة أو أربعة جرامات بعد سن الخمسين بينما يفقد المخ نصف كيلوجرام من وزنه خلال الأعمار ما بين سن الثلاثين وحتى التسعين عاماً. ويلاحظ في مسألة التذكّر ان الانسان نادراً ما ينسى تفاصيل أحداث ومناسبات تحدث لأول مرة في حياته، وما يؤكد ذلك انني منذ مدة سألت أحد الاصدقاء إن كان يتذكر أول فريق لكرة قدم قمنا بتشكيله في الفريج وكنا من قاطني فريج الضغاية في ديرة فوجدته يتذكر تفاصيل كثيرة وكأنه ينقلها من ذاكرتي، فحدثني عن الفريق وعن أعضائه فرداً فرداً والمكان الذي كنا نتدرب فيه والمباريات التي لعبناها الى درجة انه تذكر ان فانيلة الفريق كانت سوداء، لكننا عجزنا أنا وهو عن تفسير سبب اختيارنا اللون الأسود رغم ان فريقنا كان يحمل اسم الأحرار، والغريب انه بعد هذا الفريق شكلنا فرقاً مختلفة في الفريج وعندما حاولنا استرجاع تفاصيلها لم نتفق على كثير من الأمور التي تخصها بينما كان الاتفاق شبه تام في الحدث الأول وهو تكوين أول فريق. ويبدو ان النسيان السلبي يصعب عليه في الغالب محو الصور التي تركزت في الذاكرة بعيدة المدى عند الانسان عن الوقائع التي تحدث له لأول مرة في حياته، لأنه عند تكوينها يكون التركيز شديداً لدرجة يصعب على الزمن محو صورتها، والذي اعتاد السفر الدائم والتردد على العديد من الدول ربما ينسى تفاصيل كثيرة، ولكنه حتماً سيظل يتذكر السفرة الأولى وكيف كانت ومتى تمت ولا تغيب عنه تفاصيل كثيرة قد لا تكون مهمة ولكنه يتذكرها بسهولة. ولبيان مسألة رسوخ الانطباع الأول في ذاكرة الانسان يؤكد رجل مزواج «تزوج ست مرات» انه يتذكر في الزيجة الأولى من كان معه من الاصدقاء وهو قادر على تسميتهم فرداً فرداً رغم مرور أكثر من أربعة عقود على ذلك ولكن قدرته على التذكر تضعف بعد الزيجة الأولى الى درجة انه لا يتذكر كثيراً من كان معه من الاصدقاء في الزيجات الخمس الأخرى! والأمر لا يختلف كثيراً مع الزوجة التي تحتفظ بهدايا زوجها الكثيرة، إلا انها تعرف أول هدية حصلت عليها من زوجها ومتى كانت وما المناسبة لكنها تعجز بقدر كبير عن تذكر تفاصيل مماثلة مع الهدايا الأخرى. والباحثون حددوا أكثر من عشرين علة وسبباً للنسيان السلبي وكان من بينها الحسد ومراقبة الناس، وقالوا: ان المسائل التي تدخل في دائرة ارباك الذاكرة مراقبة الناس والحسد، فالانسان المبتلى بهذا المرض يعيش حالة غير مستقرة من القلق والارباك النفسي لكثرة انشغاله بالناس وبالنتيجة والتفكير السلبي الذي يؤدي به الى عدم الالتفات الى نفسه وشخصيته ومعلوماته الأخرى مما يسبب ارباكاً واضحاً في عملية استحضار المعلومات، ولقد ورد في قديم الأثر (من راقب الناس مات هماً). وإذا كان هناك نسيان سلبي فهناك نسيان ايجابي وهو خارج عن ارادة الانسان لأسباب وظروف موضوعية خاصة وهو مظهر من مظاهر الرحمة الالهية في حالة اصابته بالمصائب والأوجاع والشدائد، فالانسان لو لم ينس هذه المصائب لكانت حياته مظلمة بكل أبعادها وتفاصيلها وسيجد صعوبة بالغة في استمراريتها بسبب عدم النسيان وسوف يعرقل هذا الوضع حركة الفرد والمجتمع. شخصياً لا أنسى أول يوم ذهبت فيه الى المدرسة، وأتذكره بتفاصيله الصغيرة، وليجرب من يقرأ الزاوية ان يستعيد تفاصيل أول يوم ذهب فيه الى المدرسة وحتى لا تضيع هذه التفاصيل فليحافظ عليها بتدوينها.