الحصانة الذاتية من الاصابة باليأس والاحباط هي جواز السفر القادر على ايصال صاحبه الى حيث يريد بأقل قدر من الخسائر والثمن المبذول. وحيث ان الانسان لا ينفك ـ في هذه الحياة ـ عن مصادفة مشاكل او ظروف سيئة لا يتمناها ولا يرغب بها فان تمتعه بقدر من المناعة الذاتية التي تقيه من الوقوع تحت تأثير الصدمات يعتبر سلاحاً قويا لا يستهان به في رحلة البحث عن اثبات الذات وتحقيق الطموح والاهداف. غير ان السؤال الاسرع حول الكيفية التي يكتسب الانسان من خلالها هذه المناعة الداخلية القادرة على اثراء روحه، ومنحه اللياقة النفسية والاشراق الداخلي الذي يخفف عنه الشعور بالصدمات والظروف الاستثنائية. الواقع ان التعود على التفاؤل وتوقع انفراج الازمة هو الحمية الاولى المرشحة لتغذية هذه الروح القوية التي يتدفق احساسها بالحياة من داخل قلبها الكبير الذي يعتقد ان برودة الشتاء سيعقبها دفء الربيع، وان صقيع العلاقات الانسانية لا يمنع من امكانية مصادفة المخلصين ولو بعد حين!! ومهما كان نوع الازمة التي يمر بها الانسان فان التفاؤل قادر على منحه طاقة هائلة تدفعه باتجاه استثمار جزء من تسعة أعشار الطاقة التي يرى العلماء انها في حالة سكون لدى اغلبية الناس. وتأكيداً لهذا المعنى فان الاشخاص الاقوياء المتمتعين بقدر من التصالح مع ذواتهم، يعتبرون الازمات التي قد يمرون بها سببا لتحريك الطاقة الكامنة التي يملكونها، وهو نوع من التكيف مع الظروف ثم الانطلاق نحو الامام من جديد. وكثيرا ما رأينا أمثلة عملية تشهد على كفاءة الانسان في الاستمرار في درب الحياة مهما اختلف به الحال، كاولئك الذين تعرضوا لازمة صحية ثم عاودوا النهوض من جديد، او سواهم ممن تعرضوا لازمة مالية كادت تطيح بهم، وتصيبهم بالافلاس ولكنهم عاودوا الكرة فصادفوا من النجاح فوق ما تخيلوه. ان المنطق الذي يتعامل به هؤلاء الناس هو ان الوقوف في البحر والتحديق فيه لن يجدي شيئاً بل لابد من خطوة عملية الى الامام في اتجاه الخروج من الازمة. ومن تلك الامثلة العملية الحاضرة في الذهن على تلك الارادة الحديدية التي لا تنثني امام المواقف السلبية «تاتا» الرجل الهندي الذي اطلق عليه لقب «ابو الصناعة الهندية» فقد كان «تاتا» رجلاً عادياً لا يتميز عن غيره من الناس البسطاء، وذات مرة توجه الى احد الفنادق الراقية قاصداً الدخول، ولكنه فوجيء بالمنع، وكان السبب هو بساطة الهيئة التي يبدو عليها، والتي لا تدل على جاه او ثراء. وبدلا من ان تهتز ثقة ذلك الهندي بنفسه ويشعر بالهزيمة امام هذه الاهانة، قرر ان يتوجه الى عالم الفندقة. وبإرادة واصرار حقق نجاحاً في هذا المجال، بل واقتحم عالم الصناعة فكان التوفيق حليفه، واسس شركة بتلكوم لصناعة السيارات، وفي سنة 1990م احتفلت الشركة بانتاج السيارة رقم مليون. ان ممارسة تطوير عضلات التفكير في ايجاد مخرج للمواقف الصعبة قادرة على ان تنقل ذلك الشخص من حالة التوقف والذهول نتيجة الصدمة الى حالة الشعور بالندية والتحدي والقدرة على اتخاذ القرار السليم، بل السير خطوات على طريق الخروج من نفق الازمة من خلال البدائل المناسبة التي يستثمر فيها الانسان طاقاته وامكاناته المتوفرة لديه. ولان القوة الحقيقية هي التي تنبع من المباديء والقيم، فان تمثل الانسان في حياته العملية وفق اختيار المباديء هو ذروة النشاط الداخلي البناء، وذروة السير في الاتجاه الصحيح ايضاً، فحيث توجد القيم تتوفر القوة، وحيث تتوفر القوة يكون النجاح. وبما ان هذا العالم هو عالم الاقوياء فان المباديء هي الحصان الاسرع القادر على تحقيق التوازن الداخلي والخارجي الذي يحلم به الانسان.