لحظات أحرص على مشاهدتها عند نزولي القرنة، الضفة الغربية بالأقصر. اليوم، أول صباح لي في تلك الزيارة الصيفية، أول أيام شهر يونيو، أحد أكثر الشهور حرارة في الصعيد، استيقظت في الرابعة، أقيم في بيت ريفي صغير يقع عند آخر الحد الذي كان يقوم فوقه معبد امنحتب الثالث، ولم يتبق منه إلا تمثالين هائلين، فقدا الكثير من ملامحهما، لكن بقيت هيئتهما العامة، وعرفا في التاريخ باسم يوناني «ممنون» وقيل إن أحدهما (الأيسر ) كان يصدر أصواتا عند الشروق، ثم توقفت بعد عملية ترميم أجراها الأمبراطور الروماني تراجان على أي حال، استمرارهما حتى الآن معجزة، يمثلان الملك جالسا، محدقا بثبات أزلي إلى هناك، إلى الشرق عموما، إلى حيث تطلع الشمس، إن جهة ثباث ظهورها ثابتة، الشرق عموما، لكن نقطة ظهورها تتغير على مدار العام. كذلك الشروق، لا يمكن إدراك ذلك إلا من خلال علامة ثابتة، وقد أحطت علما عندما تتبعت غروبها من القاهرة، واتخذت من الأهرام علامة ثابتة، أسكن الآن جنوب القاهرة، في ضاحية المعادي، وأسلك الطريق السريع - الأوتوستراد - عند نزولي وسط المدينة، خلال عام كامل رأيت غروبها أكثر من أربعين مرة عبر الفصول الأربعة، ولاحظت تحرك نقطة غيابها بالنسبة إلى الأهرام، في الشتاء تنزل بين الهرمين الأكبر والأوسط يمين الهرم الثالث بالنسبة للمتطلع من سفح المقطم الشرقي، والذي يرتفع قليلا عن مستوى الأرض في المدينة التي تضخمت واتسعت إلى حد أن الشروق والغروب لم يعد أحد ينتبه إليهما إلا من خلال تغير الضوء، أما مصدرهما، قرص الشمس فلا تشعر المدينة المكتظة به، تماما كما تاه القمر، واختفت النجوم نتيجة انعكاس الأنوار الصناعية من الأرض بكثافة. هنا في جنوب مصر، بالتحديد في القرنة، لا تزال الطبيعة تحتفظ بنضارتها واتساقها رغم بدء ظهور بنايات الأسمنت التي تقطع الديمومة وتهدد باختراق المشهد الجليل الذي استقر لآلاف السنين، لقد جرى ذلك بالنسبة للهرم، حتى أوائل الخمسينيات كان شارع الهرم محاطا بالحقول، وكان ممكنا رؤية الأهرام من ميدان الجيزة حوالي عشرين كيلو مترا، كان ممكنا رؤية الأهرام بوضوح من فوق سطح البيت من الهضبة إلى درجة أن أعظم وأقدم ما شيده الإنسان لا تراه العيون على بعد أقل من نصف كيلو متر، لو عاد الزمن، ولو في الإمكان، لكان للهرم حرم لا يقل عن خمسة كيلو مترات بحيث لا يجد الإنسان نفسه فجأة أمامه، بل يقترب منه على مهل، بتدرج، تماما كما كان الاقتراب من المعابد المصرية القديمة، فالبناء لا يفصح عن نفسه مرة واحدة، إنه التدرج، الخطى المتمهلة تماما مثل ظهور الشمس الذي يبدأ بالفجر الكاذب، ثم يتدرج الضوء في الألوان ، حتى تلك اللحظة التي يبزغ فيها القرص قادما من هناك، من بعيد حيث لا يمكن التحديد. اكتشف من جديد جمال المكان وفرادته في صعيد مصر حيث ولدت ، حيث تمت وفادتي إلى الدنيا، أهي الدائرة عندما تقترب من الاكتمال؟ يحن الطرف إلى الطرف، تميل البداية إلى النهاية، خاصة تلك الأماكن المثقلة بالتاريخ، والتي لا تزال شواهدها قائمة ، بالتأكيد القرنة من أغزر الأماكن وأقواها، كذلك المنيا، وسوهاج خاصة أخميم وأبيدوس والأقصر وأسوان. الصحراء الشرقية، النخيل وأشجار الدوم، الأراضي المحاذية للنهر، المزروعة بالسمسم والذرة والقمح والخضروات، ثم النيل ، النهر العتيق القديم، يمضي راسخا من الجنوب إلى الشمال، ثمة شيء ما يألفه الإنسان في حضوره، في هيئته ، في جريانه. شيء غامض يؤسس لعلاقة، كأن طرفيها يعقلان ويتفاهمان، ثم الضفة الغربية. الخضرة تمتد إلى الصحراء التي يمكن للعين أن تراها بسهولة، فالوادي ضيق في الغرب، الخطوط أكثر تحديدا وأكثر صرامة، يتجاوز اللون الأخضر والأصفر، تماما مثل الليل والنهار، يمكن للواقف أن يضع قدما في الخضرة وقدما في الصفرة، قدم في الحضور وأخرى في الغياب. نهر النيل، الممتد من الجنوب إلى الشمال، المسافر أبدا الذي لا يخلف فيضانه الميعاد، هذا النهر أول ما حدد للمصريين القدماء أحد ركائز تفكيرهم ومعتقداتهم على هيئة رجل له ثديان، كأنه الذكر والمؤنث معا، أسموه (حابي) وفي جميع المعابد المصرية القديمة تجده مرسوما أول الجدران، قرب التقاء الجدران بالأرض، هكذا أبيدوس، ومقابر طيبة، أمامه موائد عامرة بالفواكه والخضروات واللحوم، دائما في حالة ركوع وسجود للقوى الخفية التي أدرك المصريون القدماء أنها تحرك هذا الكون، وما رموزها التي نراها الآن على جدران المقابر والمعابد إلا إشارات إلى تلك القوى الخفية، فقد آمن المصريون القدماء أن هذا الكون لم يأت عبثا، إنما ثمة خالق، وثمة قوى محركة، وليست تصوراتهم ورموزهم إلا تعبيراً عن هذه القوة. النهر. إنه مصدر الحياة وأيضا علامة على الزمن، لقد ربطوا بين ظهور نجم الشعري اليمانية ومجيء الفيضان، ورسموا خريطة النجوم، وفي متحف اللوفر سقف إحدى حجرات معبد دندرة، يحمل لوحة معروفة بالزودياك، فيها أقدم رسم إنساني للبروج السماوية الاثنى عشر. أقيم في القرنة في بيت قديم يشبه البيت الذي ولدت فيه بجهينة أعده صاحبه محمود القط للإقامة، يضم سبع حجرات، أكبرها اسمها «عايدة» تضم أثاثا بسيطا من جريد النخيل تماما كأثاث الأهالي في المنطقة، ثمة شرفة صغيرة تطل على سعف النخيل الذي يحيطني من كل جانب، ومنها أيضا يمكنني أن أرى تمثالي أمنحوتب الثالث الطريق ممتد من أمام الفندق، يصعد إلى وادي الملوك والملكات ومقابر النبلاء وإلى دير المدينة حيث مقر إقامة العمال والفنانين ومقارهم الأبدية أيضا يتجه الطريق إلى النيل، حيث النهر، حوالي كيلومترين، ينتهي بالمعدية التي تربط الضفتين، لا تزال مستخدمة رغم إقامة جسر حديث إلى جنوب مدينة الأقصر بحوالي ستة كيلو مترات، ولكم تمنيت ألا يقام أي كوبري حديث في تلك المنطقة، وعلى الراغب في زيارة المنطقة المقدسة أن يمر بما كان يمر به الآخرون مع تطور الوسائل بالطبع لكم سألت نفسي، لماذا لم يشيد المصريون القدماء جسورا فوق النهر ؟ هؤلاء الذين شيدوا الأهرام، وبهو الأعمدة الهائل بالكرنك، الذين حفروا تلك المقابر العميقة في الصخر، هل أعجزتهم الوسيلة إلى بناء جسر فوق النيل ؟ لا أعتقد إذن.. لماذا لم يقدموا ؟ في تصوري إنه احترام النهر، المصري يعبر النهر في قارب، لكن لا يمشي عليه بقدميه، القارب رمز للانتقال وليس للحركة فقط، من الشرق إلى الغرب، يتبع رحلة الشمس، ميلاد وموت، ظهور وغياب، طبقا للتصور القديم، كان القوم يعتقدون أن الشمس (رع) تعبر السماء في قارب، أما الجسور سواء كانت من حجر أو أي مواد أخرى فستلغي التمايز ما بين عنصري التراب والماء، الماء مقدس، وفي محكمة الآخرة، يقسم المتوفى أربعين قسما أولها أنه لم يلوث ماء النيل، كان النهر علامة فارقة، ليس في الواقع، إنما في المعنى أيضا، الضفة الشرقية للحقول والزراعة وبيوت الحياة الدنيا، القصور والمنازل ومقار الحكم، أما الغرب، فلمنازل الصدق، منازل الأبدية، المعابد الواقعة في الشرق تحاذي النهر، لا تتعارض عليه، والمعابد الواقعة في الغرب، كذلك المقابر، تواجه الشرق، حيث مطلع الشمس. الشمس، إنها العنصر الثاني من مصادر الفكر القديم، وربما الأول، الشمس والنهر يمكن ترتيبهما، انهما متلازمان، ذلك الشروق اليومي والغروب، تلك الرحلة لهذا القرص الذي يعد مصدر الدفء والظل، انني أحاول دائما أن أتخيلها بعقل الإنسان القديم الذي عاش هنا وتأمل لآلاف السنين وحاول أن يستوعب، أن يفهم، أن يربط بين ظواهر الكون وبعضها البعض. لقد جئت إلى الأقصر مرات عديدة، كان أولها عام ستين، ولكنني كنت جاهلا بما أرى في ذلك الوقت، غير ملم بالمعاني الكامنة وراء تلك الأشكال وهذه المباني، وعبر قراءة طويلة متأنية، أقارن فيها بين ما أعرف وما أرى، أمعن النظر وأتأمل، أحاول أن أفهم، أذكر أنني جئت إلى الأقصر صيفا عام ستة وستين، ثم عام تسعة وستين، حتى سنوات قريبة كنت أقيم بالبر الشرقي، على مقربة من الكرنك أو معبد الأقصر، لكنني في السنوات الأخيرة تركت الفنادق المكيفة، إلى هذا الفندق، أو بالدقة إلى هذا البيت الصعيدي الذي أشعر فيه بألفة وأطلب من صاحبه أن يعد لي الطعام المرتبط عندي بالذاكرة. جميع أفراد الأسرة التي تقيم في منزل مجاور لم يستيقظوا بعد، خرجت إلى الطريق ممسكا بعصا حتى أدفع بها أي كلب ضال، اتجهت إلى المشرق وعيني على الشرق، مررت بالتمثالين الاشمين، الغامضين لأمنحوتب الثالث، والد اخناتون، يتجه بصره شرقا، توقفت أمامهما، مضيت، قبل وصولي النهر، وأنا أمشى بجوار حقل ممتد توقفت لقد أطل قرص الشمس من هناك، رأيت ما يشبه الهلال أولا ثم راح يكتمل بسرعة حتى علق القرص وبدأ ابحاره اليومي، أخذني لونه الصريح، أصفر تماما مشوب بخضرة، لا تلوث في الهواء، ولا غيوم تحجب، حاولت نسيان معارفي كلها، أن أتطلع إلى الشمس كما رآها الأجداد الأقدمون، غير أنني لم أكن بحاجة إلى تقمص أي حال، فالشروق الواضح السريع، المنبئ بدوران الموجودات وتعاقب الأزمنة كان أقوى من أي معنى، شروق لم أره منذ سنوات طويلة، لا تعرفه المدن الكبرى، أشعة تصل السماء بالأرض، تصهر الموجودات كلها وتجعل العين لا ترى إلا هذا الضوء، وانتبهت إلى أنني أمسك أنفاسي وكأنني أخشى أمرا.