ينتقل معظم السياسيين الغربيين الى حياة الظل بمجرد خروجهم من مناصبهم ويصبحون مواطنين عاديين، إلا ان هناك قليلاً، منهم يظلون تحت الاضواء ولا تغيب أخبارهم عن الناس، بل تكون مرحلة ما بعد المسئولية هي مرحلة جني المنافع الكبيرة التي عادة ما يمنعها ويجرمها المنصب. ولعل الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة بيل كلينتون يعتبر أبرز هؤلاء، فرغم وجود أكثر من رئيس اميركي سابق على رأسهم جورج بوش الأب أحياء، إلا انه نادراً ما يعرف الأميركيون أو غيرهم أي معلومات أو أخبار عنهم، كذلك ربما لا يذكر الناس من بين وزراء الخارجية الأميركيين طوال الأعوام الخمسين الماضية أحداً أكثر من اليهودي هنري كيسنجر، حتى ان آخر وزيرة قبل باول وهي أولبرايت اختفت هي الأخرى عن الأضواء. غير ان كلينتون الذي اتسمت فترة رئاسته بالفضائح خطط لما بعد الرئاسة بشكل غير مسبوق، فالحقيقة التي ظل كلينتون يخفيها حول علاقته مع مونيكا لوينسكي وكلف الخزينة الأميركية ودافعي الضرائب ملايين الدولارات من أجلها، أعلن بعد ستة أشهر من خروجه من البيت الأبيض انه سوف يرويها عبر عقد وقّعه مع دار النشر «الفرد إي نوف» ليحصل على مبلغ 12 مليون دولار، متفوقاً بذلك على الرقم الذي حصلت عليه زوجته هيلاري مقابل مذكراتها وهو ثمانية ملايين دولار، فيما حصل البابا يوحنا بولس الثاني على ثمانية ملايين ونصف المليون دولار. ومع بروز موهبة الخطابة والالقاء والسرد القصصي التي يتمتع بها كلينتون، فقد استغلها في جانب آخر ليدر من خلالها أرباحاً دائمة فبدأ يلقي خطابات في المحافل والمنتديات الدولية مقابل مبالغ طائلة. فقد بلغ مجموع ما حصل عليه كلينتون من محاضراته وخطبه التي ألقاها فقط خلال العام الماضي 2002 أكثر من تسعة ملايين دولار، وهي تزيد على كل ما حصل عليه من البيت الأبيض خلال فترة رئاسته، حيث ألقى خلال عام 2002 حوالي ستين خطاباً في مناطق مختلفة من العالم بواقع 350 ألف دولار للخطاب الواحد. ولأن كلينتون يعرف تماماً من أين تؤكل الكتف، فإنه حينما بدأ يحترف القاء الخطابات في المنتديات بعد انتهاء فترة رئاسته، ألقي ثلاث محاضرات في بريطانيا كان ريعها لصالح الجمعيات اليهودية. ويرى الكثير من المراقبين ان هذه المحاضرات الثلاث هي التي فتحت الباب أمام كلينتون لكي توجه له عشرات الدعوات بعد ذلك من المؤسسات والجمعيات اليهودية الاكاديمية في مختلف أنحاء العالم، لاسيما وان كلينتون يتبنى بشكل واضح في محاضراته دعم المؤسسات اليهودية والمشروع الصهيوني. وقد اضطر كلينتون في أغسطس الماضي إلى ان يقوم بتوقيع عقد مع احدى الوكالات الكبرى المتخصصة في تنظيم الندوات حتى ترتب له مواعيد المحاضرات والندوات، بعدما بلغت الدعوات الموجهة له 15 ألف دعوة يتلقى مقابل كل منها مئة ألف دولار داخل الولايات المتحدة، وضعف هذا المبلغ خارجها. وقد قدر المراقبون حجم دخله المتوقع بأنه سيزيد على 150 مليون دولار حسب ما هو منظور ومرتب. ولأن الصهاينة لا يسيطرون على المنتديات فقط وإنما الإعلام بالدرجة الأولى، فقد نشرت مجلة «نيوزويك» الاميركية في عددها الصادر في 14 مايو الماضي ان كلينتون اجتمع مع مسئولي شبكة «ان.بي.سي» التلفزيونية الاميركية وبحثوا معه امكانية أن يقوم بتقديم برنامج تلفزيوني يتم به حلقة الولاء، ونشرت أرقاماً مختلفة حول المبالغ المتوقع حصوله عليها والتي وصلت الى خمسين مليون دولار، علاوة على انه تلقى مئة مليون دولار في شكل عروض تلفزيونية ودعائية منذ غادر منصبه. وإلى ان ننتظر ظهور بيل كلينتون في برنامج تلفزيوني، فإنه يبدو جلياً ان الطريق لجمع الملايين والبقاء تحت الأضواء من السياسيين السابقين في الولايات المتحدة يمر من خلال طريقين، الأول ان تكون يهودياً وتملك رصيداً كبيراً مثل هنري كيسنجر، أما الثاني فهو ما سلكه كلينتون عبر علاقته بالمنظمات اليهودية والتبرع بريع بعض محاضراته لها ومن فتحت له الأبواب..أبواب الطريق الى الملايين! ـ كاتب وإعلامي مصري