دورة أخرى من دورات مجلس وزراء الإعلام العرب تنهي أشغالها وتكشف عن عقم الاعلام العربي وعدم استجابته لمتطلبات المرحلة سواء محلياً أو دولياً. تحديات عديدة تواجه الإعلام العربي في مختلف المجالات. مواضيع مهمة وساخنة على الاجندة للمناقشة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر والحملات الدعائية المختلفة ضد كل ما هو عربي واسلامي. فالمسئول الإعلامي من المحيط الى الخليج وجد نفسه أمام تحد كبير، وهو تسويق الصورة الحقيقية والحضارية والتاريخية لشعبه وأمته للعالم وللشعوب والثقافات والحضارات الاخرى، وخاصة تسويق القضية الأم، القضية الفلسطينية التي فعلت فيها الدعاية الصهيونية فعلتها المشؤومة وأصبح الارهابي بريئاً ومسالماً وطفل الحجارة ارهابياً. من جهة أخرى يواجه الإعلام العربي تحدياً آخر وهو أكثر خطورة يتمثل في تصحيح الصورة النمطية للعربي وللمسلم في المنتجات والمخرجات الإعلامية والثقافية العالمية. ولتحقيق المهمتين الاستراتيجيتين يحتاج الإعلام العربي الى حرية والى مسئولية والى التزام، والى ان يكون فعالاً وقوياً على المستوى الداخلي أولاً قبل ان يكون كذلك اقليمياً ودولياً. ومع الأسف الشديد قضايا عددية تطرح في كل دورة حيث يكون طرحها أهم من معالجتها وايجاد حلول علمية لها مثل ميثاق الشرف، قضية القدس، اشكالية الاستثناء الثقافي، القوانين والتشريعات الإعلامية، الرقابة، حرية الصحافة، القنوات الفضائية واشكالية الانتاج الإعلامي، شبكة المعلومات العربية، الارهاب، التمييز العنصري، حقوق الانسان، ازدواجية المعايير والقيم، تسويق صورة العرب للآخر، الدعاية الصهيونية، الصور النمطية والتضليل والتزييف.. والقائمة طويلة. والسؤال الذي يستوقفنا هنا هو: هل من استراتيجية إعلامية عربية؟ وهل قدمت الدورات السنوية لمجلس وزراء الإعلام العرب ـ 35 دورة حتى الآن ـ رؤية واستراتيجية عربية لمواجهة التحديات المختلفة التي يطرحها الإعلام والثورة المعلوماتية والاتصالية؟ اشكالية قائمة في الظروف سالفة الذكر سواء محلياً أو دولياً يحتاج العالم العربي أكثر من أي وقت مضى الى تفعيل نظامه الإعلامي والى رسم استراتيجية وخطة إعلامية عربية واضحة الرؤية والمعالم. الإعلام العربي اليوم بحاجة الى آليات وميكانيزمات وطرق تسيير وادارة تخرجه من الفضاءات الضيقة الى مجالات واسعة يستطيع من خلالها تحديد مكانة مرموقة له سواء محليا أو عالمياً. وقبل الكلام عن استراتيجية على مستوى الوطن العربي بحيثياته وخصائصه ونقاط التشابه والاختلاف بين نحو 22 دولة عربية و280 مليون نسمة، دعنا نتطرق أولاً الى واقع الإعلام العربي على مستوى كل دولة عربية، والهدف من هذه المقاربة المنهجية هو انه يستحيل الكلام عن إعلام عربي قوي وفعال إذا كان هذا الإعلام على مستوى كل دولة ضعيف يفتقد للمصداقية وللجرأة في طرح القضايا الحساسة أو المصيرية التي تهم هموم وقضايا الشارع. فمع الأسف الشديد نلاحظ ان غالبية الدول العربية لم تفلح في استعمال الجهاز الإعلامي كما ينبغي ولم تستغله في تجسيد مشاريعها التنموية في أرض الواقع، وإذا نجحت الدول العربية في استغلال الجهاز الإعلامي لتمرير خطاب السلطة وفي فرض الإعلام العمودي فإنها فشلت فشلاً ذريعاً في ارساء قواعد الاعلام الديمقراطي المسئول، الإعلام الأفقي الذي ينتقد ويحلل ويبني ويشرك الجماهير في عملية التنمية والمشاركة السياسية. لقد حان الأوان لتحديد الأولويات والاستراتيجيات فيما يتعلق بالجهاز الإعلامي والآلة الإعلامية على مستوى كل قطر عربي قبل الانطلاق في تحديد استراتيجية اعلامية عربية لمواجهة تحديات الألفية الثالثة. مازالت اشكالية علاقة السلطة بوسائل الإعلام في الوطن العربي بحاجة الى دراسة متأنية ووقفة مع الذات حتى تصبح المؤسسة الإعلامية في الوطن العربي مؤسسة فاعلة، تكشف وتحقق وتستقصي وتساهم في التصحيح والتغيير والتنمية الشاملة. وإذا كانت المؤسسة الإعلامية خاضعة وتابعة ومنفذة فتصبح عملية مواجهة العولمة وتحديات الألفية الثالثة مجرد شعارات فارغة. القائم بالاتصال في الوطن العربي مازال يعاني من قوانين وعقوبات ومحرمات وخطوط حمراء لا تحصى ولا تعد، كما انه يعاني من نصوص وقوانين تشريعية تستعمل ضده بكل سهولة وبساطة وفي ظل مثل هذه الفضاءات التشريعية والقانونية المفخخة والمطاطية يتجنب صانع الرسالة الإعلامية في الوطن العربي الموضوعات المهمة والقضايا الحساسة، ويتحول من الفاعل الى السلبي الذي يقرأ و«يفبرك» الواقع والتاريخ وفق معطيات معينة، لكن لا يجرؤ على قراءة هذا التاريخ واستقصائه وتحليله ونقده وفق متطلبات الشارع والجماهير العريضة في المجتمع والذي يعتبر هذا الإعلام هو لسان حالها والمدافع عنها. الشرف الإعلامي من اهتمامات وزراء الإعلام العرب ميثاق الشرف وآليات الاحترافية والمهنية التي يجب ان يسير عليها القائم بالاتصال ويتقيد بأسسها ومبادئها. والقاريء والمطلع على مخرجات الإعلام العربي يلاحظ التغيرات الكبيرة والمتعددة التي يمر بها هذا الإعلام، فالمؤسسة الإعلامية العربية مازالت في الكثير من الدول العربية لم ترق الى المؤسسة الإعلامية بالمعنى الكامل للكلمة، سواء من حيث الادارة أو التسيير أو التنظيم أو الهيكلة أو الوسائل أو الكادر البشري. ففي الكثير من الحالات نلاحظ المساومات والتجاوزات والمتاجرة بالمهنة على حساب الأصول والقوانين والأخلاقيات، وغالباً ما تستعمل المؤسسة الإعلامية لأغراض ومصالح ضيقة جداً تكون في صالح فئة معينة أو حزب معين أو تيار معين على حساب الغالبية العظمى من أفراد المجتمع. والموضة الأخيرة التي ابتكرتها بعض الفضائيات حول التجريح والتشهير في بعض الدول العربية دون سواها باسم حرية الصحافة وحرية الرأي أو حرية التعبير، وهذه الفضائيات نسيت ان تبدأ من الأرض التي تبث منها إذا كانت تبحث بجد عن الكشف عن الحقيقة وتنوير الرأي العام وان تكون منبراً حراً للجماهير العربية. ففي الكثير من الدول العربية نلاحظ غياب النقابات المهنية الصحافية وجمعيات الصحافيين للدفاع عن المهمة وعن القائمين بالاتصال. فميثاق الشرف من الادوات الضرورية لنجاح المؤسسة الإعلامية ومن هنا يترتب على كل دولة عربية ان تتبنى فكرة حماية وصيانة الممارسة الإعلامية بميثاق شرف إعلامي يضعه الصحافيون المهنيون والمشرفون على المؤسسات الإعلامية بدون تدخل أية جهة رسمية، حكومية أو خاصة. عربياً ميثاق الشرف ضروري لتجنب الدخول في متاهات لا جدوى منها مثل المساومات والمزايدات، حيث نلاحظ في بعض الاحيان تورط بعض المؤسسات الإعلامية في زيادة الزيت على النار لتصعيد المواقف والأزمات بدلا من تهدئة الأجواء والدعوة للتأني والتبصر والاحتكام للحوار والنقاش والمصالحة، فالأمة العربية اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة الى وئام وتلاحم وانصهار لمواجهة التحديات التي لا تحصى ولا تعد. تحديات الألفية الثالثة في مجال الإعلام والاتصال متشعبة ومتعددة وخطيرة في الوقت نفسه، والعالم العربي يجد نفسه اليوم أمام واقع يحتم عليه التحكم في التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الإعلام والاتصال ومواكبتها، وهذا لا يعني التحكم في التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة والمحتوى والانتاج، بعبارة أخرى في المخرجات. والتحدي الكبير الذي يواجهه العالم العربي هو حماية وصيانة الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وشخصيتها القومية ومواجهة الذوبان في الثقافة العالمية (الاميركية) التي لا تعترف بالحدود ولا بالقيم ولا بالآخر. التحدي الأكبر الذي يواجه الدول العربية في مجال الإعلام هو تحرير هذا الإعلام وتحرير الطاقات والمهارات والابداعات. التحدي يتمثل في الاستغلال الأمثل للقدرات والطاقات والامكانيات المادية والبشرية لارساء قواعد ومستلزمات صناعة إعلامية متطورة رشيدة وفعالة وقوية تستطيع ان تنافس وان تقنع وان تسوّق الأفكار والقيم والأصالة والهوية العربية للآخرين، كل هذه الأمور تتطلب الدراسة والبحث واقامة علاقة متينة وتفاعل وتبادل وحوار صريح بين السلطة والمؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال والجمهور من أجل ارساء قواعد الثقة والمصداقية والفعالية في الأداء. ما يحتاجه الإعلام العربي هو لغة العصر لغة الأرقام والمنطق والأدلة والحجج والبراهين، أي لغة الآخر، القضية إذن ليست مشكلة إمكانيات وفضائيات تبث على مدار الساعة بقدر ما هي رسالة، ومنتج إعلامي يتميز بالاحترافية والمهنية ومواصفات الدقة والموضوعية وحرية الفكر والابداع والطرح. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة