لاشك أن المباحثات التي أجراها الرئيس حسني مبارك مؤخرا مع الرئيس الكيني أراب موي في شرم الشيخ، ذات صلة سياسية وثيقة بمشكلة جنوب السودان من عدة زوايا. أولا: لكون الاجتماع الذي دعت إليه دول الإيجاد تم الاتفاق على عقده في العاصمة الكينية نيروبي بين الحكومة السودانية وحركة التمرد بزعامة جون قرنق، بحثا عن مخرج سلمي آمن لمشكلة الجنوب يفضي أولا إلى وقف متبادل لإطلاق النار بعد 19 عاما من الإقتتال الضاري، إثر تراجع الرئيس جعفر نميري عام 1983 عن التزامه بإتفاقية السلام التي كان قد وقعها في أديس أبابا مع جوزيف لاجو زعيم التمرد الأول لأبناء الجنوب عام 1972. ثانيا: لإزالة التناقض المفتعل بين المبادرة التي ترعاها دول الإيجاد منذ عام 1993 والمبادرة الحديثة التي ترعاها مصر وليبيا، والتوفيق بينهما على صعيد الآليات والتوجهات، بما يخدم مصلحة الشعب السوداني في الاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية. ثالثا: العمل على تطويق التمرد العسكري المتسارع لقوات الحركة الشعبية، عبر وساطة أراب موي في إقناع قرنق بالتوصل مع النظام الحاكم في الخرطوم إلى اتفاق وسط يحفظ على السودان وحدته وسيادته. المعروف أن الحركة الشعبية كانت قد إستولت قبيل أيام من مباحثات شرم الشيخ على مدينة «كابيوتا» وهو أول انتصاراً كبير تحققه على القوات الحكومية منذ عامين: ورغم أن المدينة تمثل موقعا استراتيجيا حاكما على بعد 80 كيلو متراً من الحدود المشتركة مع كينيا، إلا أن هذا الإنتصار لا يعدو تكتيكا بالنظر إلى تحشد القوات الحكومية السودانية تساندها قوات الدفاع الشعبي لإستردادها وتحريرها كما حدث وأعادت سيطرتها بعد خمس سنوات على مدينة «قيسان» في مايو الماضي. إنما الجديد في هذا الصراع المسلح هو نوعية الأسلحة الحديثة لدى المتمردين وغيرها مما استولت عليه من القوات الحكومية، وبينها المدرعات والمدفعية الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات، فإذا وضعنا في الاعتبار التصريحات التي نقلت مؤخرا عن الرئيس الأمريكي جورج بوش من أن السودان لم يعد بوسعه تحقيق انتصار حاسم على المتمردين. فالمعنى الضمني يندرج تحت بند الدعم العسكري واللوجيستي الذي يتدفق على المتمردين من الخارج، بهدف تمكينهم من الزحف إلى مناطق إستخراج البترول في جنوب السودان، وهو ما لم تنكره بعض الدوائر الأميركية التي تروج لإقتسام عائدات البترول بين الحكومة والمتمردين، ولعله من هنا ضرورة وضع النفوذ الأمريكي على درجة من الأهمية القصوى فيما يتعلق بالشأن السوداني بوجه عام ومشكلة الجنوب بوجه خاص، منذ نجاح مبعوثها السيناتور جون دانفورث في التوصل إلى إتفاقية لوقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبه لتسهيل وصول مواد الإغاثة إلى المتضررين من المجاعات والحرب الأهلية في جنوب السودان، وتعاون الحكومة السودانية اللامحدود في تقديم ما لديها من معلومات ثمينه حول نشاطات جماعات الإرهاب الأصولي وفي مقدمتهم تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامه بن لادن، الأمر الذي يفسر الاحتجاج الذي تقدمت به الحكومة إلى الإدارة الأمريكية إزاء إحتلال قرنق لمدينة كابيوتا لكونه خرقا لإتفاقية جبال النوبة الذي شملته برعايتها! وكان الرئيس عمر البشير قد أكد عزمه مؤخرا على حسم مشكلة الجنوب نهاية هذا العام ان سلما أم حربا، والشاهد أنه وجه بإتخاذ سلسلة من الإجراءات لدعم الخيار السلمي، وبينها مطالبة الإدارة الأمريكية بممارسة ضغوطها على قرنق للجنوح إلى السلام، وتمديد إتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة لمدة ستة شهور، والموافقة على مشاركة وفد يمثل التجمع الوطني الديمقراطي المعارض (فرع الداخل) في إجتماعات بنيروبي، لكن الأهم من ذلك توجه النظام الحاكم إلى التفاوض مع قرنق بمرونه ورغبة أكيدة في تجاوز الخلافات السابقة التي أدت إلى فشل كل إجتماعات الإيجاد. ويبدو أن النظام قد وجد حلولا وسطية مرضيه تفضي إلى التغلب على رفض قرنق إستبقاء العلاقة بين الدين والدولة، عبر منح الجنوبيين حكما ذاتيا موسعا يبيح لهم حق إصدار القوانين مع كفالة الضمانات الدستورية والدولية لمصداقية وديمومه هذا التوجه، وأكد غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني لشئون السلام أن الحكومة ستدخل مباحثات الإيجاد بجدية وعزيمه، وقال أن النتائج المترتبه على التفاوض سوف تحدد إستمرارية جهود السلام. وإذا كانت إجتماعات نيروبي قد توزعت على مدى عشرة أيام لبحث مشكلة الجنوب من كافة زواياها، فلعل المطلوب أولا وبإلحاح الإتفاق على وقف شامل لإطلاق النار لتهيئة مناخ الثقة المتبادلة وطمأنة أبناء الجنوب على حق المواطنة المتساوية والقسمة العادلة للثروة والسلطة مع ابناء الشمال. ـ كاتب مصري