لم تكد تمضي بضعة ايام على بدء جولة المفاوضات الجديدة بين حكومة السودان و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» (حركة قرنق) ، المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي، حتى نهض الرئيس الأميركي جورج بوش على بعد آلاف الأميال في واشنطن مكرراً للمرة الثالثة او الرابعة في بحر عام واحد دعوة الى الحكومة السودانية «لكي تتوقف عن قتال شعبها». واضطراب علاقة السودان الخارجية مع الولايات المتحدة ليس الافراز الوحيد لمشكلة جنوب السودان وانعكاسها سلباً على الشمال عبر عهود حكم متعاقبة. فبالاضافة الى تأثيرها التدميري على مجمل علاقات السودان اقليمياً ودولياً، فإن التداعيات بالغة الضرر لهذه المشكلة المزمنة التي يناهز عمرها الآن نصف قرن طالت كل مجال للحياة في السودان سياسياً واقتصادياً وثقافياً وأمنياً وديمغرافياً. لذا فإنني كمواطن سوداني شمالي اجد من الصعوبة فهم اصرار الوفد الحكومي في مفاوضات نيروبي على الابقاء على وحدة الشمال والجنوب كخيار أوحد للتوصل الى تسوية سياسية سلمية للمشكلة. فحتى لو تمكن الطرفان من التوصل الى مثل هذه التسوية فإن ثوابت العوامل الجذرية للمشكلة تبقى كامنة للتسبب في اشعال الحرب مجدداً في المستقبل ولنواجه الحقيقة: ليس بين الشمال والجنوب اي قواسم مشتركة للتعايش داخل كيان دستوري موحد إذا استثنينا مصادفة التلاصق الجغرافي. فالشعبان لا تربط بينهما وشيجة دينية ولا ثقافية ولا لغوية ولا عرقية.. ولا حتى تاريخ مشترك، اما جمعهما داخل اطار في الحدود الدولية اطلق عليه «السودان» عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد كان تدبيراً افتعالياً من صنع بريطانيا لاعتبارات المصالح الجيوسياسية للامبراطورية وليس استلهاما لصالح اي من الشعبين ومستقبل كل منهما، لذا فإن اي حل سياسي لمشكلة جنوب السودان لا يعمد الى تصحيح هذا الخطأ التاريخي سيكون محكوماً عليه سلفاً بالفشل الحتمي. واقول إنني اطرح هذه القضية من منظوري كمواطن شمالي، فلأن كل ما يقال وينشر عن الاضرار الجسيمة التي افرزتها وتفرزها المشكلة ينحصر في معاناة شعب الجنوب. فلا احد يتحدث عن معاناة شعب الشمال. ان الحرب الراهنة في اراضي جنوب السودان التي بدأت منذ 19 عاماً ليست الاولى من نوعها، فقد سبقتها حرب مماثلة استمرت لمدى 17 عاماً ابتداء من منتصف خمسينيات القرن المنصرم وحتى اوائل السبعينيات، وفي كلتا الحربين لم يكن الشمال الطرف البادئ.. ففي الحالين تولت اشعال القتال حركة تمرد جنوبية، وبينما تقتصر معاناة الشعب الجنوبي على ظروف الحرب فإن معاناة الشمال تستمر حتى في زمن السلام. في زمن الحرب يستنزف الشمال اقتصادياً بسبب الانفاق العسكري المتعاظم، وفي زمن السلم يتخذ الاستنزاف شكل الانفاق المدني على الجنوب لاعادة اعماره واطعام شعبه وتسيير الخدمات الضرورية فيه. ان تكلفة الحرب الراهنة على الخزينة الشمالية تبلغ معدل مليون دولار يوميا ـ أي 365 مليون دولار في العام.. وهو ما يعادل نصف دخل صادرات الشمال بالعملات الحرة من السلع الزراعية والحيوانية ـ عماد الاقتصاد الوطني. غير ان الاضرار لا تتوقف عند حد الاستنزاف المالي، فتداعيات الحرب انعكست سلباً على علاقات السودان الاقليمية مع بعض جيرانه، فالتأزم الخطير في العلاقات مع كل من اريتريا ويوغندا وحتى وقت قريب مع اثيوبيا، يرجع الى تعاون حكومات هذه الدول مع حركة قرنق ومنحها قواعد ومعسكرات ومكاتب سياسية وعوناً دبلوماسياً. اما على الصعيد الدولي فإن استمرار الحرب القى بظلال كثيفة على علاقات السودان مع بعض الدول الاوروبية منذ منتصف الخمسينيات ومع الولايات المتحدة منذ منتصف الثمانينيات. فقد ظلت هذه الحكومات الغربية تتعرض لضغوط من مؤسسات كنسية داخلية ذات اجندة تبشيرية تجاه جنوب السودان، في اطار النشاط العام لهذه المؤسسات المعادية للاسلام في القارة الافريقية. وعندما ينهض الرئيس الاميركي ليصور للعالم الحرب السودانية وكأنها اعتداء من الشمال على الجنوب، فلأنه يضطر للتجاوب مع اليمين المسيحي المتطرف داخل «الحزب الجمهوري» الذي ينتمي اليه الرئيس ويعتمد عليه كقاعدة. ويبقى السؤال الاكبر: ايهما أفضل للشمال السوداني: الوحدة أم الانفصال؟ لقد آن الأوان لاجراء «دراسة جدوى». وللحديث صلة.