اذا كان البعض يعتقد انه لا رابط بين الخليج والارهاب في ذهن الساسة والاعلام في الغرب فعليه ان يراجع موقفه وينظر حوله، فقد اصبح الامر جليا للجانب الآخر (الغربي)، الذي يحاول جاهدا اقامة الدليل على هذا الارتباط وان لم نعترف به ونتعرف على مدخلاته ونضع الخطط الكفيلة بمعالجته فاننا نصبح كالنعامة: نضع رؤوسنا في الرمل ثم نعتقد ان احدا لايرانا. الناطق باسم القاعدة كويتي وعدد وافر من منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر سعوديون، والاسماء التي تظهر بين فترة واخرى، والتي يوجه اليها الاتهام بان لها ارتباطا بتنظيم القاعدة اما انها عاشت في احدى دول الخليج فترة زمنية واما انها مرت من هنا في طريقها الى افغانستان، كما ان المال المتوافر لتمويل القاعدة وعملياتها كثير ومنه ما خرج من هنا مارا ببنوك ومؤسسات خليجية. ودول الخليج في معظمها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة لم تعترف او تتعامل مع اسرائيل لذا فان الاعلام الغربي يتهم هذه الدول ومواطنيها مجددا بانها تمول «الانتحاريين» الفلسطينيين وان الدعم المالي الذي يأتي من الخليج للفلسطينيين انما يذهب لتمويل العمليات الانتحارية؟ وتواجه المملكة العربية السعودية حملة قاسية، لم تعد مقصورة على الصحف والكتّاب وقادة الرأي في الاعلام الغربي بل امتدت الى المؤسسات الرسمية، كما حدث في احدى لجان الكونجرس التي اجتمعت الاسبوع الماضي، وقد شارك فيها ـ ويا للغرابة ـ وزير في الوزارة الاسرائيلية، وكان موضوع حديث هذه اللجنة «الاوضاع العامة في المملكة العربية السعودية»! ملفات مشوشة اذن تتكدس امامنا عدة ملفات لها علاقة بمنطقة الخليج وقضاياها، وهي ملفات مشوشة وغامضة وتزداد تشوشا وغموضا كلما تداخلت واختلطت خصوصا في ظل الاوضاع الدولية المضطربة. ولتفكيك هذا التداخل علينا ان نلحظ ان هناك تيارا ينتشر بين ظهرانينا قرر ان يستحوذ على ملف العلاقات الدولية بين دول الخليج والعالم وعلى رأسه الولايات المتحدة والغرب عموما ويتصرف هذا التيار كما يشتهي مستخدما الاسلوب العدائي والعنف سلاحا ضد الطرف الآخر، هذا التيار استطاع ان يجند آخرين من دول مختلفة ويقوم بعمليات خاصة به هذا من جهة ومن جهة ثانية اعتقد الغرب ان الاعتدال التاريخي الخليجي في السياسة الدولية هو اعتدال قسري «تابع» للغرب وهذا ادعاء خاطيء لان الاعتدال الخليجي يمثل «سياسة وطنية» اتبعتها حكومات المنطقة لتحقيق مصالح وطنية، وليس بالضرورة ان يكون «اعتدالا تابعا» لذا فان الخلط الذي استطاعت ان تحققه الالة الاعلامية الاسرائيلية حتى الآن، مستفيدة من الملف الاول (احداث الحادي عشر من سبتمبر) هو تأكيد ان الاعتدال التاريخي في الخليج قد تحول الى «تطرف» حيث بدا انه تردد من الجانب العربي في الخليج للدخول في تسويات هي في مجملها تحقق مصالح الغرب فقط ولا تقيم وزنا لمصالح العرب واعتبر آن ذلك التمنع هو خروج عن الاعتدال وانحراف باتجاه التطرف واهم هذه التسويات التسوية في فلسطين، فقد ظهرت كتابات تقول ان تردد السلطة الفلسطينية في قبول الحلول المعروضة عليها في السابق نابع من عدم توافر اقتناع خليجي بهذه التسويات. زاد من ذلك ان مبادرة السلام التاريخية الاخيرة سعودية المنبت تبناها العرب جميعا على اساس «الارض مقابل السلام» وهو عرض سياسي «عربي» يعتقد الساسة الاسرائيليون والمتعاطفون معهم انه اوقعهم في مأزق تاريخي يجبرهم على ضرورة تقديم حلول تقنع العالم وتقديم تسوية للفلسطينيين تحقق لهم امل قيام الدولة وبالتالي فقد رأى الاسرائيليون ومناصروهم انه يتعين عليهم تخريب هذه المبادرة ليس فقط باظهار التصلب واستخدام الذرائع المختلفة للتسويف والتأخير بل وايضا بمحاولة نقل المعركة الى اماكن اخرى هي حضن الخليج والدولة الاكبر في منظومته وقد نجحت هذه القوى حتى الآن في نقل المعركة اعلاميا وفي تحويل الانظار من مبادرة سلام الى «حرب على الارهاب». ان مرحلة التحول الكبرى التي نشهدها في العالم ـ ولابد من ان منطقتنا العربية ستمر بها ـ تسبقها مرحلة المخاض في منطقتنا العربية، وهو مخاض معنية به دول الخليج ربما قبل غيرها من المحيط العربي. ربط متعسف ولقد استطاع الاعلام الغربي ان يربط بين «الخليج» و«الارهاب» وقد نجح في ارساء هذا الربط «المتعسف» في ذهن العديد من الشعوب، وكل ما يطالعنا من صفحات مكتوبة او برامج تلفزيونية يصب في هذا التوجه وينفخ فيه مهما كان بعيدا عن المنطق كما ان المواطنين من الدول الخليجية في الغالب باتوا مستهدفين في المطارات والمدن والجامعات الغربية، ويجري الآن بحث المقررات المدرسية والبرامج الثقافية التي يدرسها الطلاب العرب والخليجيون ويعاد النظر فيها كما تجري بشكل نشط مراقبة المؤسسات المالية والتدفقات المالية منها واليها. قد يكون بعض هذه الخطوات مطلوبا وقد يكون الكثير منها مبالغا فيه ولكن الاهم ان هناك خلطا متعمدا بين «الارهاب» من جهة ومساندة الحق الفلسطيني من جهة اخرى حتى انه كلما زادت مناصرة بلد عربي للقضية الفلسطينية من منطلق المباديء ازداد الضغط عليه من جوانب اخرى وهذا الخلط يستفيد منه الجانبان الاسرائيلي والارهابي على حد سواء ويعد فض الاشتباك بين هذين الملفين ووضع حدود واضحة بينهما من اولويات العمل السياسي والاعلامي في الخليج. غير ان المعركة ليست هينة كما انها تتطلب زمنا ليس قصيرا فما يبدو من مقدمات يدل على ان الشرق الاوسط، وفي قلبه الخليج مقدم على تغيرات ربما تكون تاريخية لان العالم يغير جلده في هذه المرحلة وما محاربة الارهاب الا الجزء الاول واليسير من تغيير هذا الجلد ذلك ان المعركة كلما استعرت نيرانها في فلسطين اقترب لهيبها الى دول الخليج وقد يكون هذا اللهيب اتيا من الجهة الاقرب كما يحدث في بعض الساحة الاعلامية العربية مثل الادعاء بان المبادرة السعودية باتجاه ايجاد حل للقضية الفلسطينية هي مجرد «رفع عتب» والذهاب الى حد اعتبارها مجرد عملية علاقات عامة كما يأتي كثير من اللهيب من الابعد مثل ما نراه يشيع كثيرا في الاعلام الغربي من ان القضية في الشرق الاوسط هي قضية اصلاحات داخلية اكثر منها قضية حسم معركة شعب فلسطين. امام هذه التركيبة المتداخلة والمعقدة يتعين على مؤسسات مجلس التعاون ان تنتهج نظرة اعمق وتحليلا اشمل للاحداث الراهنة والاتية وان تضع الخطط الناجعة لمعالجتها على الصعيدين السياسي والاعلامي قبل ان يرسخ في خلفية الرأي العام الدولي ان المنطقة لم تعد تصدر نفطا فقط بل وارهابا ايضا! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت